تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم ذكر تعالى حكمة أخرى بقوله: ﴿ وليمحص ما في قلوبكم ﴾ أي: يخلصه وينقيه ويهذبه، فإن القلوب يخالطها بغلبة الطبائع، وميل النفوس، وحكم العادة، وتزيين الشيطان، واستيلاء الغفلة - ما يضاد ما أودع فيها من الإيمان والإسلام والبر والتقوى. فلو تركت في عافية دائمة مستمرة لم تتخلص من هذه المخالطة، ولم تتمحص منه. فاقتضت حكمة العزيز الرحيم أن يقضي لها من المحن والبلاء، ما يكون كالدواء الكريه لمن عرض له داء. إن لم يتداركه طبيبه بإزالته وتنقيته من جسده، وإلا خيف عليه منه الفساد والهلاك. فكانت نعمته سبحانه عليهم بهذه الكسرة والهزيمة، وقتل من قتل منهم، تعادل نعمته عليهم بنصرهم وتأييدهم وظفرهم بعدوهم. فله عليهم النعمة التامة في هذا وهذا - أفاده ابن القيم.

وقال القاشاني: البلاء سوط من سياط الله، يسوق به عباده إليهم بتصفيتهم عن صفات نفوسهم، وإظهار ما فيهم من الكمالات، وانقطاعهم من الخلق إلى الحق. ولهذا كان متوكلا بالأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانا لفضله:

" ما أوذي نبي مثل ما أوذيت "

كأنه قال: ما صفى نبي مثل ما صفيت. ولقد أحسن من قال:

لله در النائبات فإنها

صدأ اللئام وصيقل الأحرار

إذ لا يظهر على كل منهم إلا ما في مكمن استعداده.

﴿ والله عليم بذات الصدور ﴾ أي: الضمائر الملازمة لها، وعد ووعيد.

ثم أخبر تعالى عن تولى من تولي من المؤمنين الصادقين في ذلك اليوم، وأنه بسبب كسبهم بقوله:

﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ٤٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٤٦٣