فكان أول من لقى من المسلمين. فنادى قومه وتعرف إليهم. قالوا: لا أنعم الله لك عينا يا فاسق! فقاتل المسلمين قتلا شديدا وأبلى يومئذ حمزة وطلحة وشيبة وأبو دجانة والنضر بن أنس بلاء شديدا، وأصيب جماعة من الأنصار مقبلين غير مدبرين، واشتد القتال، وكانت الدولة أول النهار للمسلمين على الكفار، فانهزمت أعداء الله وولوا مدبرين حتى انتهوا إلى نسائهم. فلما رأى الرماة هزيمتهم تركوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه، وقالوا: يا قوم! الغنيمة! الغنيمة! فذكرهم أميرهم عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يسمعوا، وظنوا أن ليس للمشركين رجعة، فذهبوا في طلب الغنيمة، وأخلوا الثغر، ولم يطع أميرهم منهم إلا نحو العشرة، فكر المشركون وقتلوا من بقي من الرماة، ثم أتوا الصحابة من ورائهم وهم ينتهبون، فأحاطوا بهم، واستشهد منهم من أكرمه الله، ووصل العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقاتل مصعب بن عمير صاحب اللواء دونه حتى قتل، وجرح رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه، وكسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر، وهشمت البيضة في رأسه، يقال: إن الذي تولى ذلك عتبة بن أبي وقاص وعمرو بن قميئة الليثي. وشد حنظلة الغسيل على أبي سفيان ليقتله، فاعترضه شداد بن الأسود الليثي، من شعوب، فقتله. وكان جنبا. فأخبر سول الله صلى الله عليه وسلم أن الملائكة غسلته. وأكبت الحجارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سقط من بعض حفر هناك، فأخذ علي بيده، واحتضنه طلحة حتى قام، ومص الدم من جرحه مالك بن سنان الخدري، والد أبي سعيد، ونشبت حلقتان من حلق المغفر في وجهه صلى الله عليه وسلم، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح. فندرت ثنيتاه فصار أهتم. ولحق المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم. وكر دونه نفر من المسلمين فقتلوا كلهم، وكان آخرهم عمار بن يزيد بن السكن، ثم قاتل طلحة حتى أجهض المشركون. وأبو دجانة يلي النبي صلى الله عليه وسلم بظهره وتقع فيه النبل فلا يتحرك، وأصيبت عين قتادة بن النعمان. فرجع وهي على وجنته، فردها عليه السلام بيده فصحت. وكانت أحسن عينيه. وانتهى النضر بن أنس الى جماعة من الصحابة وقد دهشوا، وقالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: فما تصنعون في الحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم استقبل الناس وقاتل حتى قتل، ووجد به سبعون ضربة. وجرح يومئذ عبد الرحمن بن عوف عشرين جراحة بعضها في رجله. فعرج منها. وقتل حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم. ونادى الشيطان: ألا إن محمدا قد قتل، لأن عمرو بن قميئة كان قد قتل مصعب بن عمير، يظن أنه النبي صلى الله عليه وسلم.
ووهن المسلمون لصريخ الشيطان. ثم إن كعب بن مالك الشاعر، من بني سلمة، عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنادى بأعلى صوته يبشر الناس. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: " أنصت ". فاجتمع عليه المسلمون ونهضوا معه نحو الشعب، وأدركه أبي بن خلف في الشعب، فتناول صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة وطعنه بها في عنقه، فكر أبي منهزما. وقال له المشركون: ما بك من بأس. فقال: والله! لو بصق علي لقتلني، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توعده بالقتل. فمات عدو الله بسرف، مرجعهم إلى مكة. ثم جاء علي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالماء فغسل وجهه ونهض. فاستوى على صخرة من الجبل. وحانت الصلاة فصلى بهم قعودا. وغفر الله للمنهزمين من المسلمين. ونزل:
إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان...
[آل عمران: 155] الآية واستشهد نحو من سبعين. معظمهم من الأنصار. وقتل من المشركين اثنان وعشرون. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة. ويقال: إنه قال لعلي: " لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا ".