تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثاني: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول.

الثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ.

وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة - ثم أوسع المقال في ذلك.

وذكر قدس سره، في بعض فتاويه، أن السلف والأئمة الأربعة والجمهور يقولون: الأدلة بعضها أقوى من بعض في نفس الأمر. وعلى الإنسان أن يجتهد ويطلب الأقوى. فإذا رأى دليلا أقوى من غيره. ولم ير ما يعارضه، عمل به، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وإذا كان في الباطن ما هو أرجح منه كان مخطئا معذورا، وله أجر على اجتهاده وعمله بما بين له رجحانه، وخطؤه مغفور له، وذلك الباطن هو الحكم، لكن بشرط القدرة على معرفته، فمن عجز عن معرفته لم يؤاخذ بتركه، فإذا أريد بالخطأ الإثم، فليس المجتهد بمخطئ، بل كل مجتهد مصيب، مطيع لله، فاعل ما أمره الله به، وإذا أريد به عدم العلم بالحق في نفس الأمر، فالمصيب واحد، وله أجران. كما في المجتهدين في جهة الكعبة، إذا صلوا إلى أربع جهات، فالذي أصاب الكعبة واحد، وله أجران لاجتهاده وعمله، كان أكمل من غيره، والمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، ومن زاده الله علما وعملا زاده الله أجرا بما زاده من العلم والعمل، قال تعالى:

وتلك حجتنآ ءاتينهآ إبرهيم على قومه نرفع درجت من نشآء إن ربك حكيم عليم

[الأنعام: 83]. قال مالك عن زيد بن أسلم: بالعلم، وكذلك قال في قصة يوسف:

ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشآء الله نرفع درجات من نشآء وفوق كل ذي علم عليم

[يوسف: 76]. وقد تبين بذلك أن جميع المجتهدين إنما قالوا بعلم، واتبعوا العلم، وأن الفقه من أجل العلوم، وأنهم ليسوا من الذين لا يتبعون إلا الظن، لكن بعضهم قد يكون عنده علم ليس عند الآخر، إما بأن سمع ما لم يسمع الآخر، وإما بأن فهم ما لم يفهم الآخر، كما قال تعالى:

وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين * ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما

[الأنبياء: 78-79]. وهذه حال أهل الاجتهاد والنظر والاستدلال، في الأصول والفروع.

ثم قال: وإذا تدبر الإنسان تنازع الناس وجد عند كل طائفة من العلم ما ليس عند الأخرى، كما في مسائل الأحكام، ولم يستوعب الحق إلا من اتبع المهاجرين والأنصار، وآمن بما جاء به الرسول كله على وجهه، وهؤلاء هم أهل المرحمة الذين لا يختلفون - انتهى.

فعلم أن اختلاف الصحابة والتابعين والمجتهدين في الفروع ليس مما تشمله الآية، فإن المراد منها الاختلاف عن الحق، بعد وضوحه، يرفضه، وشتان ما بين الاختلافين. ثم على طالب الحق أن يستعمل نظره فيما يؤثر من هذه الخلافيات، فما وجده أقوى دليلا أخذ به، وإلا تركه. وحينئذ يكون ممن قال الله تعالى فيهم:

فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه

[الزمر: 17-18]. وإذا اشتبه عليه مما قد اختلف فيه، فليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول - إذا قام يصلي من الليل - " اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم "

فإن الله تعالى قال فيما رواه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" يا عبادي كلكم ضال إلا من هديت، فاستهدوني أهدكم "

- انتهى.

الرابع: ذكر بعض المفسرين، هنا، ما روي من حديث اختلاف أمتي رحمة. ولا يعرف له سند صحيح، ورواه الطبراني والبيهقي في (المدخل) بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعا. قال بعض المحققين: هو مخالف لنصوص الآيات والأحاديث، كقوله تعالى:

ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك

[هود: 118-119]: ونحوه قوله صلى الله عليه وسلم

محاسن التأويل · الصفحة ٤١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٤١٩