تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم! قد رأينا أن لا نلاعنك، وأن نتركك على دينك، ونرجع على ديننا، فلم يلاعنهم صلى الله عليه وسلم، وأقرهم على خراج يؤدونه إليه.

وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه عن الشعبي عن جابر قال:

" قدم على النبي صلى الله عليه وسلم العاقب والطيب فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه الغداة، قال: فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيبا وأقرا له بالخراج، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي بعثني بالحق، لو قالا: لا، لأمطر عليهم الوادي نارا "

قال جابر: وفيهم نزلت: ﴿ ندع أبنآءنا... ﴾ الآية - قال جابر: أنفسنا وأنفسكم: رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب، وأبناؤنا: الحسن والحسين، ونساؤنا: فاطمة، وهكذا - رواه الحاكم في مستدركه بمعناه، ثم قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. هكذا قال. وقد رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة عن المغيرة عن الشعبي مرسلا، وهذا أصح. وقد روى عن ابن عباس والبراء نحو ذلك.

وروى البخاري عن حذيفة رضي الله عنه قال:

" جاء العاقب والسيد، صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيا فلاعنا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا أمينا. فقال: " لأبعثن معكم رجلا أمينا " ، حق أمين. فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " قم يا أبا عبيدة بن الجراح ". فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا أمين هذه الأمة "

ورواه مسلم والنسائي أيضا وغيرهم.

وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قال أبو جهل - قبحه الله -: إن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على رقبته، قال: فقال:

" لو فعل لأخذته الملائكة عيانا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا ".

قال ابن الكثير: وقد رواه البخاري والترمذي والنسائي. وقد ساق قصة وفد نجران الإمام ابن القيم عليه الرحمة في زاد المعاد وأعقبها بفصل مهم في فقهها، فليراجع.

الثالث: قال الزمخشري: فإذا قلت ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلى ليتبين الكاذب منه ومن خصمه، وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟ قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله، واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلم ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة. وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل، ومن ثمت كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب. ويسمون الذادة عنها بأرواحهم حماة الحقائق، وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها. وفيه دليل، لا شيء أقوى منه، على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام، وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك.

الرابع: استنبط من الآية جواز المحاجة في أمر الدين، وأن من جادل وأنكر شيئا من الشريعة جازت مباهلته اقتداء بما أمر به صلى الله عليه وسلم. والمباهلة الملاعنة.

قال الكازروني في تفسيره: وقع البحث عند شيخنا الدواني قدس الله سره في جواز المباهلة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب رسالة في شروطها المستنبطة من الكتاب والسنة والآثار، وكلام الأئمة، وحاصل كلامه فيها أنها لا تجوز إلا في أمر مهم شرعا، وقع فيه اشتباه وعناد لا يتيسر دفعه إلا بالمباهلة، فيشترط كونها بعد إقامة الحجة والسعي في إزالة الشبهة وتقديم النصح والإنذار وعدم نفع ذلك ومساس الضرورة إليها.

محاسن التأويل · الصفحة ٣٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٣٨٥