الأمر الثاني: من المتشابه الواضح تشابهه والمنع منه، هو النظر في سر القدر السابق في الشرور مع عظيم رحمة الله تعالى وقدرته على ما يشاء.
وقد ثبت في كتاب الله تعالى تحير الملائكة الكرام عليهم السلام في ذلك وسؤالهم عنه بقولهم:
أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون
[البقرة: 30] ثم ساق خبر آدم وتعليمه الأسماء وتفضيله في ذلك عليهم إلى قوله:
ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموت والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون
[البقرة: 33] وفي ذلك إشارة واضحة إلى ما سيأتي بيانه من أن مراد الله بالخلق هم أهل الخير، فالخلق كلهم كالشجرة، وأهل الخير ثمرة تلك الشجرة، وإليه الإشارة بقوله:
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
[الذاريات: 56] وفي حديث الخليل عليه السلام حين دعا على العصاة، قال الله: " كف عن عبادي. إن مصير عبدي مني إحدى ثلاث: إما أن يتوب فأتوب عليه، أو يستغفرني فأغفر له، أو أخرج من صلبه من يعبدني " - رواه الطبراني.
وقال الإمام الغزالي في كتاب العلم في (الإحياء) في أقسام العلوم الباطنة: ولا يبعد أن يكون ذكر بعض الحقائق مضرا ببعض الخلق، كما يضر نور الشمس أبصار الخفافيش وكما يضر ريح الورد بالجعل. وكيف يبعد هذا، وقولنا: إن كل شيء بقضاء من الله وقدر - حق في نفسه، وقد أضر سماعه بقوم حيث أوهم ذلك عندهم دلالة على السفه. ونقيض الحكمة، والرضا بالقبيح والظلم. وألحد ابن الراوندي وطائفة من المخذولين بمثل ذلك. وكذلك سر القدر لو أفشى أوهم عند أكثر الخلق عجزا، إذ تقصر أفهامهم عن إدراك ما يزيل هذا الوهم عنهم.
وقال في شرح (أسماء الله الحسنى) في شرح الرحمن الرحيم: والآن إن خطر لك نوع من الشر لا ترى فيه خيرا، أو إن تحصيل ذلك الخير من غير شر أولي، فاتهم عقلك القاصر في كلا الطرفين، فإنك مثل أم الصبي التي ترى الحجامة شرا محضا. والغبي الذي يرى القصاص شرا محضا، لأنه ينظر إلى خصوص شخص المقتول، وأنه في حقه شر محض، ويذهل عن الخير العام الحاصل للناس كافة، ولا يدري أن التوصل بالشر الخاص إلى الخير العام خير محض، ولا ينبغي لحكيم أن يهمله. هذا أو قريب من هذا. وفي بعض كلامه نظر قد أوضحته في (العواصم) والسر في ذلك أن الله تعالى لا يريد الشر لكونه شرا قطعا، وإنما يريده وسيلة إلى الخير الراجح كما قال:
ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب لعلكم تتقون
[البقرة: 179]، وكما صح في الحدود والمصائب أنها كفارات، فهذا هو سر القدرة في الجملة، وإنما الذي خفى تفصيله ومعرفته في عذاب الآخرة وشقاوة الأشقياء، فمن الناس من كبر ذلك عليه وأداه إلى الحكم بنفي التحسين والتقبيح، فصرحوا بنفي حكمة الله تعالى، وهم غلاة الأشعرية، إلا بمعنى إحكام المصنوعات في تصويرها لا سواه، ومن الناس من أداه ذلك إلى القول بالجبر، ونفي قدرة العباد واختيارهم، ومنهم من جمع بينهما.
ومن الناس من جعل الوجه في تحسين ذلك من الله عدم قدرته سبحانه على هدايتهم، وهم جمهور المعتزلة لكنهم يعتذرون عن تسميته عجزا، ويسمونه غير مقدور. ومنهم من جعل العذر في ذلك أن الله لا يعلم الغيب، وهم غلاة القدرية، نفاة الأقدار. وقد تقصيت الردود الواضحة عليهم، والبراهين الفاضحة لهم في (العواصم)، وجمعت في ذلك ما لم أسبق إليه ولا إلى قريب منه، في علمي، فتمت هذه المسألة في مجلد ضخم، وبلغت أحاديث وجوب الإيمان بالقدر اثنين وسبعين، وأحاديث صحته مائة وخمسة وخمسين، الجملة مائتان وسبعة وعشرون حديثا، من غير الآيات القرآنية، والأدلة البرهانية.
وصنف ابن تيمية في بيان الحكمة في العذاب الأخروي، وتبعه تلميذه ابن قيم الجوزية، وبسط ذلك في كتابه (حادي الأرواح إلى ديار الأفراح)، فأفردت ذلك في جزء لطيف، وزدت عليه. ومضمون كلامهم أنه لا يجوز اعتقاد أن الله لا يريد الشر لكونه شرا، بل لا بد من خير راجح يكون ذلك الشر وسيلة إليه، وذلك الخير هو تأويل ذلك الشر السابق له على نحو تأول الخضر لموسى. وطردوا ذلك في شرور الدارين معا. ونصر ذلك الغزالي في شرح ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ ، ولنورد في ذلك حديثا واحدا، مما يدل على المنع من الخوض في تعيين الحكمة في ذلك فنقول: قال البيهقي في كتابه (الأسماء والصفات) عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس: لما بعث الله موسى وكلمه قال: اللهم! أنت رب عظيم، ولو شئت أن تطاع لأطعت، ولو شئت أن لا تعصى لما عصيت، وأنت تحب أن تطاع، وأنت في ذلك تعصى، فكيف هذا يا رب؟ فأوحى الله إليه أني لا أسأل عما افعل، وهم يسألون. فانتهى موسى.