لن يجدوا من دونه موئلا
[الكهف: 58]. ومما يوافقه في اشتقاقه الأصغر الآل، فإن آل الشخص من يؤول إليه، ولهذا لا يستعمل إلا في عظيم، بحيث يكون المضاف إليه يصلح أن يؤول إليه الآل. كآل إبراهيم وآل لوط وآل فرعون. بخلاف الأهل. والأول أفعل، لأنهم قالوا في تأنيثه أولى، كما قالوا جمادى الأولى، وفي القصص:
له الحمد في الأولى والآخرة
[القصص: 70]. ومن الناس من يقول فوعل ويقول (أوله) إلا أن هذا يحتاج إلى شاهد من كلام العرب، بل عدم صرفه يدل على أنه أفعل لا فوعل، فإن فوعل مثل كوثر وجوهر مصروف. سمي المتقدم أول - والله أعلم - لأن ما بعده يؤول إليه ويبني عليه، فهو أس لما بعده وقاعدة له. والصيغة صيغة تفضيل مثل أكبر وكبرى وأصغر وصغرى لا من باب أحمر وحمراء، ولهذا يقولون: جئته أول من أمس وقال:
من أول يوم
[التوبة: 108].
وأنا أول المسلمين
[الأنعام: 163]
ولا تكونوا أول كافر به
[البقرة: 41]. ومثل هذا أول هؤلاء، فهذا الذي فضل عليهم في الأول، لأن كل واحد يرجع إلى ما قبله، فيعتمد عليه، وهذا السابق، كلهم يؤول إليه. فإن من تقدم من فعل. فاستبق به من بعده، كان السابق الذي يؤول الكل إليه. فالأول له وصف السؤدد والاتباع. ولفظ الأول مشعر بالرجوع والعود. والأول مشعر بالابتداء، والمبتدي خلاف العائد.
لأنه إنما كان أولا لما بعده، فإنه يقال
أول المسلمين
[الأنعام: 163]، و
أول يوم
[التوبة: 108]، فما فيه من معنى الرجوع والعود, هو للمضاف إليه لا للمضاف. وإذا قلنا: آل فلان فالعود في المضاف. لأن ذلك صيغة تفضيل في كونه مآلا ومرجعا لغيره. لأنه كونه مفضلا دل عليه أنه مآل ومرجع، لا آيل راجع. إذ لا فضل في كون الشيء راجعا إلى غيره. آيلا إليه، وإنما الفضل في كونه هو الذي يرجع إليه ويؤال. فلما كانت الصيغة صيغة تفضيل أشعرت بأنه مفضل في كونه مآلا ومرجعا، والتفضيل المطلق في ذلك يقتضي أن يكون هو السابق المبتدئ. والله أعلم.
فتأويل الكلام ما أوله إليه المتكلم أو ما يؤول إليه الكلام أو ما تأوله المتكلم. فإن التفعيل يجري على غير فعل كقوله:
وتبتل إليه تبتيلا
[المزمل: 8]، فيجوز أن يقال تأول الكلام إلى هذا المعنى تأويلا، والمصدر واقع موقع الصفة، إذ قد يحصل المصدر صفة بمعنى الفاعل. كعدل وصوم وفطر، وبمعنى المفعول كدرهم ضرب الأمير، وهذا خلق الله. فالتأويل هو ما أول إليه الكلام أو يؤول إليه، أو تأول هو إليه. والكلام إنما يرجع ويعود ويستقر ويؤول ويؤول إلى حقيقته التي هي عين المقصود به، كما قال بعض السلف في قوله:
لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون
[الأنعام: 67]. قال: حقيقة. فإن كان خبرا فإلى الحقيقة المخبر بها يؤول ويرجع، وإلا لم تكن له حقيقة ولا مآل ولا مرجع، بل كان كذبا، وإن كان طلبا فإلى الحقيقة المطلوبة يؤول ويرجع. وإلا لم يكن مقصوده موجودا ولا حاصلا، ومتى كان الخبر وعدا أو وعيدا فإلى الحقيقة المطلوبة المنتظرة يؤول. كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية:
قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا
[الأنعام: 65]. قال: إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد.
فصل
وأما إدخال أسماء الله وصفاته أو بعض ذلك في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، أو اعتقاد أن ذلك هو المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله كما يقول كل واحد من القولين طوائف من أصحابنا وغيرهم، فإنهم وإن أصابوا في كثير مما يقولونه ونجوا من بدع وقع فيها غيرهم، فالكلام على هذا من وجهين:
الأول: من قال إن هذا من المتشابه وأنه لا يفهم معناه. ما الدليل على ذلك؟ فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة، لا أحمد بن حنبل ولا غيره، أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفى أن يعلم أحد معناه، وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم. ولا قالوا إن الله ينزل كلاما لا يفهم أحد معناه.