وإن كان الضمير عائدا إلى ما تشابه كما يقوله كثير من الناس، فلأن المخبر به من الوعد والوعيد متشابه، بخلاف الأمر والنهي. ولهذا في الآثار: العمل بمحكمه والإيمان بمتشابه. لأن المقصود في الخبر الإيمان. وذلك لأن المخبر به من الوعد والوعيد فيه من التشابه ما ذكرناه. بخلاف الأمر والنهي فإنه متميز غير مشتبه بغيره، فإنه أمور نفعلها قد علمناها بالوقوع، وأمور نتركها لا بد أن نتصورها.
ومما جاء من لفظ التأويل في القرآن قوله تعالى:
بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله
[يونس: 39] والكتابة عائدة على القرآن، أو على ما لم يحيطوا بعلمه، وهو يعود إلى القرآن. قال تعالى:
وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين * أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين * بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين * ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين
[يونس: 37-40]. فأخبر سبحانه أن هذا القرآن ما كان ليفترى من دون الله. وهذه الصيغة تدل على امتناع المنفي كقوله:
وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون
[هود: 117] لأن الخلق عاجزون عن الإتيان بمثله. كما تحداهم وطالبهم لما قال:
أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين
[يونس: 38]، فهذا تعجيز لجميع المخلوقين. قال تعالى:
ولكن تصديق الذي بين يديه
[يونس: 37]، أي: مصدق الذي بين يديه، وتفصيل الكتاب، أي: مفصل الكتاب، فأخبر أنه مصدق الذي بين يديه ومفصل الكتاب. والكتاب اسم جنس. ولما تحدى القائلين: افتراه، ودل على أنهم هم المفترون، قال:
بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله
[يونس: 39]. ففرق بين الإحاطة بعلمه وبين إتيان تأويله.
فتبين أنه يمكن أن يحيط أهل العلم والإيمان بعلمه، ولما يأتهم تأويله، وأن الإحاطة بعلم القرآن ليست إتيان تأويله، فإن الإحاطة بعمله معرفة معاني الكلام على التمام، وإتيان التأويل نفس وقوع المخبر به. وفرق بين معرفة الخبر وبين المخبر به. فعمرفة الخبر هي معرفة تفسير القرآن.
ومعرفة المخبر به هي معرفة تأويله. وهذا هو الذي بيناه فيما تقدم.
إن الله إنما أنزل القرآن ليعلم ويفهم ويفقه ويتدبر ويتفكر به محكمه ومتشابهه، وإن لم يعلم تأويله. ويبين ذلك أن الله يقول عن الكفار:
وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا * وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ءاذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرءان وحده ولوا على أدبرهم نفورا
[الإسراء: 45-46]. فقد أخبر فقد أخبر، ذما للمشركين، أنه إذا قرئ عليهم القرآن حجب بين أبصارهم وبين الرسول بحجاب مستور، وجعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقر. فلو كان أهل العلم والإيمان على قلوبهم أكنة أن يفقهوا بعضه لشاركوهم في ذلك. وقوله: أن يفقهوه. يعود إلى القرآن كله. فعلم أن الله يحب أن يفقه. ولهذا قال الحسن البصري: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم في ماذا أنزلت وماذا عنى بها. وما استثنى من ذلك لا متشابها ولا غيره. وقال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره مرات أقفه عند كل آية وأسأله عنها. فهذا ابن عباس حبر الأمة، وهو أحد من كان يقول: لا يعلم تأوله إلا الله، يجيب مجاهدا عن كل آية في القرآن. وهذا هو الذي جعل مجاهدا ومن وافقه كابن قتيبة على أن جعلوا الوقف عن قوله ﴿ والراسخون في العلم ﴾ فجعلوا الراسخين يعلمون التأويل. لأن مجاهدا تعلم من ابن عباس تفسير القرآن وبيان معانيه. فظن أن هذا هو التأويل المنفي عن غير الله. وأصل ذلك أن لفظ التأويل، وبه أشير إلى بين ما عناه الله في القرآن وبين ما كان يطلقه طوائف من السلف، وبين اصطلاح طوائف من المتأخرين. فبسبب الاشتراك في لفظ التأويل اعتقد كل من فهم منه معنى بلغته أن ذلك هو المذكور في القرآن.