ولا شك أن إسماعيل كان سكنه في مكة، وفيها مات، وبها دفن. وهذه البشارة صريحة في نبينا صلى الله عليه وسلم، ظاهرة لا تخفى إلا على أكمة لا يعرف القمر. فأي نبي ظهر في مكة بعد موسى غير محمد، وانتشر دينه في مشارق الأرض ومغاربها، كما يقتضيه الاستعلان المذكور في البشارة.
ومنها: في الباب الثامن عشر من سفر التثنية هكذا:
17- قال لي الرب: قد أحسنوا في ما تكلموا.
18- أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك واجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به.
19- ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه. هذه البشارة في حق نبينا صلى الله عليه وسلم قطعا؛ لأنه من ذرية إسماعيل، وذريته يسمون إخوة لبني إبراهيم، بدليل ما ذكر في التوراة في حق إسماعيل، وأنه قبالة إخوته، ينصب المضارب. وقد جرت عادة الكتب المنزلة بتسمية أبناء الأعمام، عن بعد بعيد، إخوة، كما دعى في القرآن هود وصالح، إخوة لعاد وثمود، مع أنهما على بعد بعيد من أولاد الأعمام. وكما قيل في سفر العدد في الباب العشرين:
14- وأرسل موسى رسلا من قادش إلى ملك أدوم. هكذا يقول أخوك إسرائيل قد عرفت كل المشقة التي أصابتنا (مع أنهما أبناء أعمام على بعد بعيد).
وليست هذه الشهادة في حق أحد من أنبياء بني إسرائيل، وإلا، لقال: وسوف أقيم لهم نبيا مثلك منهم أو من أنفسهم كما قال تعالى إخبارا بدعوة إبراهيم عليه السلام لولد إسماعيل:
ربنا وابعث فيهم رسولا منهم
[البقرة: 129]، وكما قال تعالى في خطاب بني إسماعيل:
لقد جآءكم رسول من أنفسكم
[التوبة: 128].
وأما ما زعمته اليهود من أن المراد يوشع، فتى موسى، فهو باطل من وجوه:
1- أن المبشر به من إخوة بني إسرائيل، لا من نفس بني إسرائيل، ويوشع كان من نفس بني إسرائيل.
2- أن يوشع لم يكن مثل موسى عليه السلام، لما في آخر سفر التثنية (الإصحاح الرابع والعشرون).
10- ولم يقم بعد نبي في بني إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجها لوجه.
ولأن موسى عليه السلام صاحب كتاب وشريعة جديدة مشتملة على أوامر ونواه، ويوشع ليس كذلك، بل هو مأمور باتباع شريعة موسى.
3- أن يوشع عليه السلام كان حاضرا هناك، وقد أشير إليه بعبارة صريحة قبل هذه ففي الباب الأول من هذا السفر.
38- يشوع بن نون الواقف أمامك هو يدخل إلى هناك، شدده لأنه هو يقسمها لإسرائيل.
فأي مقتض للرمز والتلويح، بعد هذا التصريح؟ وأي موجب لإدخال (سوف) الدالة على الاستقبال، على فعل حاصل في الحال؟
وأما ما زعمته النصارى من أن المراد به عيسى عليه السلام، فهو أيضا باطل، لوجوه:
1 - أنه من بني إسرائيل، والمبشر به هنا من غيرهم.
2 - أن موسى بشر بنبي مثله، وهم يدعون أن عيسى إله، وينكرون كونه نبيا مرسلا، وإلا لزم اتحاد المرسل والمرسل، وهو غير معقول، على أن مشابهة موسى لنبينا عليهما الصلاة والسلام، أقوى من مشابهته لعيسى، لاتحادهما في أمور:
1- كونهما ذوى والدين وأزواج، بخلاف عيسى عليه السلام.
2- كونهما مأمورين بالجهاد، بخلاف عيسى عليه السلام. وقد أشار في هذه البشارة بقوله: 19- ويكون أي الإنسان الذي لا يسمع لكلامي، الذي يتكلم به باسمي، أنا أطالبه. إلى كون هذا النبي مأمورا بجهاد من كفر بما جاء به من عند الله، والإنتقام منه بسيفه البتار. وزعمت النصارى أن الإنتقام هنا بمعنى العذاب الأخروي لمنكريه، وهو خطأ؛ لأن ذلك لا يختص بهذا النبي، بل كل من أنكر ما جاء به نبي من الأنبياء ينتقم منه في الآخرة، فلا معنى لتخصيص هذا النبي بالذكر حينئذ.
3- كون شريعتهما مشتملة على الحدود والقصاص والتعزير وإيجاب الغسل على الجنب والحائض والنفساء، وإيجاب الطهارة وقت العبادة، وهذه كلها ليست موجودة في شريعة عيسى عليه السلام - على ما تقول النصارى - ونظائر ذلك كثيرة. وفي هذا البشارة إشارة إلى كون هذا النبي أميا لا يقرأ، حيث قال: (يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي) وبذلك تعرف سر وصفه به في قوله تعالى: ﴿ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي... ﴾ الآية التي نحن في صددها.