ومنها - في الباب الرابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا:
(إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر ليثبت معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لن يطيق العالم أن يقبله لأنه ليس يراه، ولا يعرفه.
وأنتم تعرفونه؛ لأنه مقيم عندكم، وهو ثابت فيكم). وهذه بشارة من المسيح عليه السلام بأن الله تعالى سيبعث للناس من يقوم مقامه، وينوب في تبليغ رسالته، وسياسة خلقه، منابه، وتكون شريعته باقية مخلدة أبدا، وهل هذا إلا محمد صلى الله عليه وسلم. و (الأب) هنا بمعنى الرب والإله؛ لأنه اصطلاح أهل الكتابين. وقد أشار عيسى عليه السلام بكونه (روح الحق) إلى أن الحق قبل مبعثه، يكون كالميت لا حراك له، ولا انتعاش، وأنه إذا بعث يكون كالروح له، فيرجع حينئذ قائما في الأرض. ولا خفاء أنه عليه الصلاة والسلام، هو الذي أحيى الله به الحق بعد عيسى عليه السلام، بعد ما اندرس، ولم يبق فيه نفس. ثم قال: (والفارقليط روح القدس الذي يرسله الأب باسمي هو يعلمكم كل شي، وهو يذكركم كل ما قلته لكم).
ولا شك بأن محمدا صلى الله عليه وسلم هو الذي علم كل شيء من الحقائق، وأوضح ما خفي من الدقائق، وذكر أمة عيسى ما نسوه من أقواله المتضمنة أنه عبد من عباد الله تعالى، قربه إليه بالرسالة واصطفاه، وأنه لم يدع لسوى عبادة الله وتوحيده، وتنزيهه وتمجيده. وقوله: (باسمي) أي: بالنبوة. ثم أبان لهم سبب إخبارهم به قبل أن يأتي فقال: (والآن قد قلت لكم قبل أن يكون، حتى إذا كان، تؤمنون).
وفي الباب الخامس عشر من الإنجيل المذكور:
(فأما إذا جاء الفارقليط الذي أرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من الأب ينشق، وهو يشهد لأجلي، وأنتم تشهدون، لأنكم معي من الابتداء).
وفي الباب السادس عشر منه:
(لكني أقول لكم الحق، إنه خير لكم أن أنطلق، لأني إن لم أنطلق، لم يأتكم الفارقليط. فأما إن انطلقت أرسلته إليكم، فإذ جاء ذاك، فهو يوبخ العالم على خطيئة، وعلى بر، وعلى حكم. أما على الخطيئة فلأنهم لم يؤمنوا بي. وأما على البر فلأني منطلق إلى الأب، ولستم ترونني بعد. وأما على الحكم، فإن رئيس هذا العالم قد دين. وإن لي كلاما كثيرا أقوله لكم، ولكنكم لستم تطيقون حمله. وإذا جاء روح الحق ذاك، فهو يعلمكم جميع الحق؛ لأنه ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بكل ما يسمع، ويخبركم بما سيأتي، وهو يمجدني؛ لأنه يأخذ مما هو لي، ويخبركم جميع ما هو للأب، فهو لي. من أجل هذا قلت: (إن مما هو لي يأخذ ويخبركم). ومن أمعن النظر في هذه العبارات، ولاحظ ما اشتملت عليه من الفحاوي والإشارات، جزم بأن (الفارقليط) هو محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه هو الذي ظهر بعد عيسى عليه السلام، وشهد لعيسى بالنبوة والرسالة، ومجده وبرأه مما افتراه عليه النصارى من دعوى الربوبية، ومما افتراه عليه اليهود من كونه ساحرا كذابا، وعلى والدته من كونها غير طاهرة الذيل، بريئة الساحة، وهو الذي وبخ العالم، سيما اليهود، على الخطايا، لا سيما خطيئة الكفر بعيسى عليه السلام، والطعن في والدته الطاهرة البتول، وهو الأمين الصادق، الذي علم جميع الحقائق، هو الذي أبان من الأسرار ما لم تطق تحمله قبل مجيئه الأفكار، وهو الذي لا
ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى
[النجم: 3-5].
وفسر العلامة ابن قتيبة: (روح الحق الذي من الأب ينبثق) أي يصدر بكلام الله المنزل، واستدل بقوله تعالى:
وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا
[الشورى: 52]، والمراد به هنا القرآن الكريم؛ لأنه هو الذي يشهد للمسيح بالنبوة والنزاهة، عما افترى عليه، وبأنه روح الله وكلمته وصفيه ورسوله، كما شهد الحواريون الذين كانوا معه، واهتدوا بهديه. ولم يثبت شهادة كتاب غير القرآن بذلك، فتعين أن يكون هو المراد.