وجاء في (إظهار الحق) ما نصه: إن الإخبارات الواقعة في حق محمد صلى الله عليه وسلم، كثيرة إلى الآن أيضا، مع وقوع التحريفات في هذه الكتب.
ومن عرف أولا طريق إخبار النبي المتقدم، عن النبي المتأخر، على ما عرفت في الأمر الثاني - يعني في كلامه - ثم نظر ثانيا بنظر الإنصاف إلى هذه الإخبارات، وقابلها بالإخبارات التي نقلها الإنجيليون في حق عيسى عليه السلام، جزم بأن الإخبارات المحمدية في غاية القوة.
وجاء في (منية الأذكياء في قصص الأنبياء) ما نصه: إن نبينا صلى الله عليه وسلم قد بشرت به الأنبياء السالفون، وشهدوا بصدق نبوته، ووصفوه وصفا رفع كل احتمال، حيث صرحت باسمه وبلده وجنسه وحليته وأطواره وسمته. غير أن أهل الكتاب حذفوا اسمه - يعني من نسخهم الأخيرة - إلا أن ذلك لم يجدهم نفعا، لبقاء الصفات التي اتفق عليها المؤرخون من كل جنس وملة، وهي أظهر دلالة من الاسم على المسمى، إذ قد يشترك اثنان في اسم، ويمتنع اشتراك اثنين في جميع الأوصاف. لكن من أمد غير بعيد، قد شرعوا في تحريف بعض الصفات، ليبعد صدقها على النبي عليه الصلاة والسلام، فترى كل نسخة متأخرة، تختلف عما قبلها في بعض المواضع، اختلافا لا يخفى على اللبيب أمره، ولا ما قصد به، ولم يفدهم ذلك غير تقوية الشبهة عليهم لانتشار النسخ بالطبع، وتيسر المقابلة بينها.
وها نحن نورد شذرة من البشائر لديهم:
فمنها: في الباب السادس عشر من سفر التكوين في حق هاجر هكذا:
11- وقال لها ملاك الرب ها أنت حبلى فتلدين إبنا، وتدعين اسمه إسماعيل لأن الرب قد سمع لمذلتك.
12- وإنه يكون إنسانا وحشيا، يده على كل واحد ويد كل واحد عليه، وأمام جميع إخوته يسكن.
هذه بشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم، لا بجده إسماعيل؛ لأن إسماعيل عليه السلام، لم تكن يده فوق يد الجميع، ولا كانت يد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع. بل في التوراة أن إسماعيل وأمه هاجر أخرجا من وطنهما مكرهين، ولم يرث إسماعيل مع إسحاق، وكان الملك والنبوة في بني إسحاق، وكان بنو إسماعيل في البراري العطاش، ولم يسمع أن الأمم دانت لهم، حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدانت له الملوك، وخضعت له الأمم، وعلت يده وأيدي بني إسماعيل على كل يد، وصارت يد كل بهم، فكان ذكر إسماعيل مقصودا به ولده. كما أن في مواضع كثيرة من التوراة، ذكر يعقوب، والمقصود بالذكر ولد يعقوب. فمن ذلك قوله في السفر الخامس: (يا إسرائيل! ألا تخشى الله ربك، وتسلك في سبيله وتعمل له؟) فهذا خطاب لبني إسرائيل باسم أبيهم، وكذلك قوله لقوم موسى: (اسمع إسرائيل، ثم احفظ، واعمل يحسن إليك ربك، وتكثر وتنعم) ونظائره كثيرة. فظهر أنه قد يذكر إسم الأب، ويراد الإبن مجازا، بقرينة الحال، وإلا لزم الخلف في خبره تعالى.
ومنها: في الباب الثالث والثلاثين من سفر التثينة هكذا:
1- وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته.
2- فقال: جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل فاران وأتى من ربوات القدس، وعن يمينه نار شريعة لهم.
ولا غموض بأن مجيء الله جل وعلا من سيناء عبارة عن إنزاله التوراة على موسى بطور سينا - هكذا يفسره أهل الكتاب - والأمر كذلك، فيجب أن يكون إشراقه من سعير عبارة عن إنزاله الإنجيل على المسيح، وكان المسيح يسكن أرض الجليل من سعير بقرية تدعى (ناصرة)، وإسم النصارى مأخوذ منها. وإستعلاؤه من جبال فاران عبارة عن إنزاله القرآن على محمد في جبل فاران، وفاران هي مكة، لا يخالفنا في ذلك أهل الكتاب. ففي الباب الحادي والعشرين من سفر التكوين في حال إسماعيل عليه السلام هكذا:
20- وكان الله مع الغلام فكبر. وسكن في البرية، وكان ينمو رامي قوس.
21- وسكن في برية فاران، وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر.