تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.189

﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ وهي نفس آدم عليه السلام ﴿ وجعل منها زوجها ﴾ أي: من جنسها، كقوله تعالى:

ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا

[الروم: 21] ﴿ ليسكن إليها ﴾ أي: ليطمئن إليها ويميل، ولا ينفر، لأن الجنس إلى الجنس أميل، وبه آنس، وإذا كانت بعضا منه كان السكون والمحبة أبلغ، كما يسكن الإنسان إلى ولده، ويحبه محبة نفسه، لكونه بضعة منه. وذكر ﴿ ليسكن ﴾ بعد ما أنث في قوله: ﴿ واحدة ﴾ و ﴿ منها زوجها ﴾ ذهابا إلى معنى النفس، ليبين أن المراد بها آدم، ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويتغشاها، فكان التذكير أحسن طباقا للمعنى. أفاده الزمخشري.

﴿ فلما تغشاها ﴾ أي: وطئها. و(التغشي) كناية عن الجماع، وكذلك الغشيان والإتيان. ﴿ حملت حملا خفيفا ﴾ أي: خف عليها، وذلك أول الحمل، لا تجد المرأة له ألما، إنما هي النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة ﴿ فمرت به ﴾ أي: فاستمرت به خفيفة، وقامت وقعدت ﴿ فلمآ أثقلت ﴾ أي: صارت ذات ثقل، لكبر الولد في بطنها ﴿ دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا ﴾ أي: ولدا سويا قد صلح بدنه، أو غلاما ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾ أي: على نعمائك التي منها هذه النعمة.

7.190

﴿ فلمآ آتاهما صالحا ﴾ أي: كما طلبا ﴿ جعلا له شركآء فيمآ آتاهما ﴾ أي: أخلا بالشكر، في مقابلة نعمة الولد الصالح أسوأ إخلال، إذ استبدلوه بالإشراك. وقوله تعالى: ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ تنزيه فيه معنى التعجب.

تنبيه

هذه الآية سيقت توبيخا للمشركين في جنايتهم بالشرك، ونقضهم ميثاقهم، في جريهم على خلاف ما يعاهدون الله عليه، وذلك أنه تعالى ذكر ما أنعم به عليهم من الخلق من نفس واحدة، وجعل أزواجهم من أنفسهم ليأنسوا بهن، ثم إنشائه إياهم بعد الغشيان، متدرجين في أطوار الخلق من العدم إلى الوجود، ومن الضعف إلى القوة. ثم بين إعطاءهم المواثيق إن آتاهم ما يطلبون وولد لهم ما يشتهون، ليكونن من الشاكرين. ثم أخبر عن غدرهم وكفرانهم لهذه النعم، التي امتن سبحانه بها عليهم، ونقضهم ميثاقهم في إفراده بالشكر، حيث أشركوا معه غيره في ذلك. ونظير هذه الآية، في الإخبار عن تبديل المشركين نعمة الله كفرا، قوله تعالى في سورة يونس:

هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين * فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق

[يونس: 22-23]، وقد ذكر المفسرون هاهنا أحاديث وآثارا تفهم أن المراد بهذا السياق آدم وحواء. ولا حاجة بنا إلى روايتها لأنها واهية الإسناد، معلولة، كما بينه الحافظ ابن كثير في (تفسيره). وتقبل ثلة من السلف لها وتلقيها - لا يجدي في صحتها شيئا. إذا أصلها مأخوذ من أقاصيص مسلمة أهل الكتاب، كما برهن عليه ابن كثير. وتهويل بعضهم بأنها مقتبسة من مشكاة النبوة، إذا أخرجها فلان وفلان، من تنميق الألفاظ لتمزيق المعاني، فإن المشكاة النبوية أجل من أن يقتبس منها إلا كل ما عرفت جودته.

إذا علمت ذلك، تبين لك أن من استند إلى تلك الأحاديث والآثار، فذهب إلى أن المراد بالنفس الواحدة وقرينتها، آدم وحواء، ثم أورد على نفسه أنهما بريئان من الشرك، وأن ظاهر النظم يقتضيه، ثم أخذ يؤوله، إما بتقدير مضاف، أي: جعل أولادهما له شركاء، فيما آتى أولادهما، وإما بأن المراد جعل أحدهما وهو (حواء) من إطلاق المثنى وإرادة المفرد، وإما بغير ذلك - فإنه ذهب في غير مذهب.

وقد قرر ما ارتضيناه في معنى الآية غير واحد. قال الحسن البصري، فيما روي عنه ابن جرير: إن الآية عني بها ذرية آدم، ومن أشرك منهم بعده. وفي رواية عنه: كان هذا في بعض الملل، ولم يكن بآدم.

محاسن التأويل · الصفحة ١٢٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٢٨١