7.7
﴿ فلنقصن عليهم ﴾ أي: على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم ﴿ بعلم ﴾ أي: عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة ﴿ وما كنا غآئبين ﴾ أي: عنهم وعما وجد منهم.
7.8
﴿ والوزن يومئذ الحق ﴾ أي: وزن الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها، يوم يسأل الله الأمم ورسلهم، العدل. ﴿ فمن ثقلت موازينه ﴾ أي: حسناته في الميزان ﴿ فأولئك هم المفلحون ﴾ أي: الناجون من السخط والعذاب.
7.9
﴿ ومن خفت موازينه ﴾ أي: حسناته في الميزان ﴿ فأولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ بالعقوبة ﴿ بما كانوا بآياتنا يظلمون ﴾ أي: يكفرون.
تنبيهات
الأول: قال السيوطي في (الإكليل): في هذه الآية ذكر الميزان، ويجب الإيمان به. انتهى.
وقال الإمام الغزالي في (المضنون): تعلق النفس بالبدن كالحجاب لها عن حقائق الأمور. وبالموت ينكشف الغطاء، كما قال تعالى:
فكشفنا عنك غطآءك
[ق: 22]، ومما يكشف له تأثير أعماله مما يقربه إلى الله تعالى ويبعده، وهي مقادير تلك الآثار، وإن بعضها أشد تأثيرا من البعض، ولا يمتنع في قدرة الله تعالى أن يجري سببا يعرف الخلق في لحظة واحدة مقادير الأعمال، بالإضافة إلى تأثيراتها في التقريب والإبعاد. فحد الميزان ما يتميز به الزيادة من النقصان، ومثاله في العالم المحسوس مختلف، فمنه الميزان المعروف، ومنه القبان للأثقال، والاصطرلاب لحركات الفلك والأوقات، والمسطرة للمقادير والخطوط، والعروض لمقادير حركات الأصوات. فالميزان الحقيقي، إذا مثله الله عز وجل للحواس، مثله بما شاء من هذه الأمثلة أو غيرها. فحقيقة الميزان وحده موجود في جميع ذلك، وهو ما يعرف به الزيادة من النقصان. وصورته تكون مقدرة للحس عند التشكيل، وللخيال عند التمثيل، والله تعالى أعلم بما يقدره من صنوف التشكيلات، والتصديق بجميع ذلك واجب. انتهى.
الثاني: الذي يوضع في الميزان يوم القيامة. قيل: الأعمال وإن كانت أعراضا إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما.
قال البغوي: يروى هذا عن ابن عباس، كما جاء في (الصحيح)
" أن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف ".
ومن ذلك في (الصحيح): قصة القرآن،
" وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي أسهرت ليلك، وأظمأت نهارك. "
، وفي حديث البراء في قصة سؤال القبر:
" فيأتي المؤمن شاب حسن اللون، طيب الريح، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح "
وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق.
فالأعمال الظاهرة في هذه النشأة بصور عرضية، تبرز على هذا القول في النشأة الآخرة بصور جوهرية، مناسبة لها في الحسن والقبح. فالذنوب والمعاصي تتجسم هناك، وتتصور بصورة النار، وعلى ذلك حمل قوله تعالى:
وإن جهنم لمحيطة بالكافرين
[التوبة: 49]، وقوله تعالى:
إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا
الآية [النساء: 10]. وكذا قوله صلى الله عليه وسلم في حق من يشرب من إناء الذهب والفضة:
" إنما يجرجر في بطنه نار جهنم "
ولا بعد في ذلك. ألا يرى أن العلم يظهر في عالم المثال على صورة اللبن.
وقيل: صحائف الأعمال هي التي توزن، ويؤيده حديث البطاقة، فقد أخرج أحمد والترمذي، وصححه، وابن ماجه والحاكم والبيهقي وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلا، كل سجل منها مد البصر، فيقول: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا، يا رب! فيقول: أفلك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل، فيقول: لا. يا رب! فيقول: بلى. إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم. فيخرج له بطاقة فيها (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم. فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة ".