تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[إبراهيم: 34].

قالوا: ومما يدل على أن المراد هذا، أن جعل الإشهاد حجة عليهم في الإشراك، فلو كان قد وقع كما قاله من قاله، لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه. فإن قيل: إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم به كاف في وجوده، فالجواب: أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره، وهذا جعل حجة مستقلة عليهم، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد.

﴿ أن تقولوا ﴾ أي: كراهة أن تقولوا ﴿ يوم القيامة ﴾ أي: الذي يسأل فيه عن الربوبية والتوحيد ﴿ إنا كنا عن هذا ﴾ أي: عن ربوبيته وتوحيده ﴿ غافلين ﴾ أي: لم ننبه عليه. فإنهم حيث جبلوا على ما ذكر، صاروا محجوبين عاجزين عن الإعتذار بذلك. إذ لا سبيل لأحد إلى إنكار ما ذكر من خلقهم على الفطرة السليمة.

7.173

﴿ أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا ﴾ أي: سنوا الإشراك واخترعوه ﴿ من قبل ﴾ أي: من قبل زماننا ﴿ وكنا ذرية من بعدهم ﴾ أي: فنشأنا على طريقتهم، احتجاجا بالتقليد، وتعويلا عليه، فقد قطعنا العذر بما بينا من الآيات ﴿ أفتهلكنا بما فعل المبطلون ﴾ أي: أتؤاخذنا بما فعل آباؤنا من الشرك، وأسسوا من الباطل، أو بفعل آبائنا الذين أبطلوا تأثير العقول، وأقوال الرسل؟ والإستفهام للإنكار، أي: أنت حكيم لا تأخذ الأبناء بفعل الآباء، وقد سلكنا طريقتهم، والحجة عليهم بما شرعوا لنا من الباطل. والمعنى: أزلنا الشبهتين بأن الإقرار بالربوبية والتوحيد، هو في أصل فطرتكم، فلم لم ترجعوا إليه عند دعوة العقول والرسل؟ والفطرة أكبر دليل، فهي تسد باب الإعتذار بوجه ما. لا سيما والتقليد عند قيام الدلائل، والقدرة على الإستدلال بها، مما لا مساغ له أصلا.

تنبيهات

الأول: وافق الإمام ابن كثير، في هذا المقام أيضا، الجشمي في تفسيره، قال: ويروي أصحاب الحديث عن أسلافهم من الآثار موقوفة ومرفوعة، ويجعلون ذلك تأويلا للآية، وهو أنه تعالى مسح ظهر آدم، فأخرج منه ذريته، أمثال الذر، فقال: ألست بربكم؟ فقالوا: بلى طائعين. ثم أعادهم في صلب آدم. وإن تأويل الآية على ذلك.

قال: وقد ذكر مشايخنا رحمهم الله أن ذلك فاسد، وأن ظاهر الآية يخالف ذلك، وذكروا في الرواية ما نذكره. قالوا: فمما يدل على فساده وجوه:

منها: أنه لو كان حال كما ذكروا، لذكرناه؛ لأن مثل ذلك الأمر العظيم لا ينساه العاقل، خصوصا إذا كان إشهادا عليه، ليعمل به.

ومنها: ما ذكره شيخنا أبو علي، أن ظهر آدم لا يسع هذا الجمع العظيم، وهذا شنيع من الكلام.

ومنها: أنه ذكر أنه خلقنا من نطفة، وكل ولد ولد من أب ومن نطفة، فلو خلقهم ابتداء لا من شيء، لم يصح ذلك.

ومنها: أن الجزء الواحد، لا يجوز أن يكون حيا عاقلا؛ لأن تلك البنية، لا تحمل الحياة، فلا بد من أن يكون مؤلفا من أجزاء، وحينئذ لا يصح أن يكون الجميع في ظهر آدم.

ومنها: أنه يفتح باب التناسخ، والقول بالرجعة؛ لأن لهم أن يقولوا: إذا جاز الإعادة ثمة، لم ينكر التناسخ.

ومنها: أنه لا بد أن يكون فيه فائدة، وفائدته أن يذكره ليجري على تلك الطريقة، وإذا لم يذكره بطلت فائدته.

ومنها: أن الإعتراف لا يصح إلا وقد تقدم حال لهم عرفوا ذلك، فكيف يصح في ابتداء الخلق، إلى غير ذلك مما لا يقبله العقل.

ثم قال: قال مشايخنا رحمهم الله: والآية ظاهرها بخلاف قولهم من وجوه:

منها: أنه قال:

وإذ أخذ ربك من بني ءادم

[الأعراف: 172] ولم يقل: (من آدم).

وقال:

من ظهورهم

[الأعراف: 172] ولم يقل: (من ظهره)، وقال:

ذريتهم

[الأعراف: 172] ولم يقل: (ذريته).

ومنها: أنه قال:

أن تقولوا

[الأعراف: 172] يعني فعل ذلك، لكيلا تقولوا:

إنا كنا عن هذا غافلين

[الأعراف: 172] وأي غفلة أعظم من أن جميع العقلاء لا يذكرون شيئا من ذلك.

ومنها: أنه قال: ﴿ إنمآ أشرك آباؤنا ﴾ ولم يكن لهم يومئذ أب مشرك. وكل ذلك يبين فساد ما قالوا، ولم يصحح أحد من مشايخنا هذه الرواية، ولا قبلها، بل ردها، غير أبي بكر أحمد بن علي، فإنه جوز ذلك من غير قطع على صحته، غير أنه قال: ليس ذلك بتأويل الآية، وذكر أن فائدة ذلك أن يجروا على الأعراف الكريمة في شكر النعمة، والإقرار بالربوبية. كما قال: إنهم ولدوا على الفطرة، قال: وأخرجهم كالذر، ثم ألهمهم حتى قالوا: بلى انتهى ما قاله الجشمي.

محاسن التأويل · الصفحة ١٢٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٢٧٠