تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.54

﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموت والأرض في ستة أيام ﴾ أي: إن سيدكم ومالككم ومدبركم الذي يجب أن تعبدوه أيها الناس، الذي أنشأ أعيان السماوات والأرض في مقدار ستة أيام.

وفي هذه الآية مسائل

الأولى: قال الشهاب: اليوم في اللغة مطلق الوقت، فإن أريد هذا، فالمعنى في ستة أوقات، كقوله تعالى:

ومن يولهم يومئذ دبره

[الأنفال: 16]. وإن أريد المتعارف، وهو زمان طلوع الشمس إلى غروبها، فالمعنى في مقدار ستة أيام؛ لأن اليوم إنما كان بعد خلق الشمس والسماوات، فيقدر فيه مضاف - انتهى.

وفي شرح القاموس: إن اليوم من طلوع الشمس إلى غروبها، أو من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، وإن الثاني تعريف شرعي عند الأكثر. ونقل عن الفاسي شارحه: أن اليوم عند المنجمين من الطلوع إلى الطلوع، أو من الغروب إلى الغروب.

ثم قال الزبيدي: ويستعمل بمعنى مطلق الزمان، نقله عن ابن هشام، وحكاه عن سيبويه في قولهم: (أنا، اليوم، أفعل كذا) فإنهم لا يريدون يوما بعينه، ولكنهم يريدون الوقت الحاضر. قال: وبه فسروا قوله تعالى:

اليوم أكملت لكم دينكم

[المائدة: 3] ثم قال: وقد يراد باليوم الوقت مطلقا، ومنه والحديث:

" تلك أيام الهرج "

أي: وقته، ولا يختص بالنهار دون الليل - انتهى.

وإرادة الوقت مطلقا منه، عين إرادة مطلق الزمان قبله، كما يتبادر. والظاهر أن إطلاقه على المتعارف والوقت مطلقا، لغوي فيهما - كما نقلهما شارح القاموس - خلافا لظاهر كلام الشهاب السابق، فتثبت هذا.

الثانية: قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه خلق العالم، سماواته وأرضه وما بين ذلك في ستة أيام، كما أخبر بذلك في غير ما آية من القرآن؛ والستة الأيام: الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، وفيه اجتمع الخلق كله، وفيه خلق آدم عليه السلام. واختلفوا في هذه الأيام: هل كل يوم منها كهذه الأيام، كما هو المتبادر إلى الأذهان، أو كل يوم كألف سنة، كما نص على ذلك مجاهد والإمام أحمد بن حنبل؟ ويروى من رواية الضحاك عن ابن عباس.

فأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق؛ لأنه اليوم السابع، ومنه سمي السبت، وهو القطع. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة قال:

" أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر يوم الجمعة، آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل "

فقد رواه مسلم بن الحجاج في (صحيحه) والنسائي، من غير وجه، وفيه استيعاب الأيام السبعة، والله تعالى قد قال: ﴿ في ستة أيام ﴾ ، ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار, ليس مرفوعا - والله أعلم - انتهى.

وقد بسطت الكلام فيه في شرحي على (الأربعين العجلونية).

الثالثة: قال القاضي: في خلق الأشياء مدرجا، مع القدرة على إيجادها دفعة - دليل للإختيار. أي: لأنه لو كان بالإيجاب، لصدر دفعة واحدة. وفيه حث على التأني في الأمور.

وقوله تعالى: ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ اعلم أن الاستواء ورد على معان اشترك لفظه فيها، فجاء بمعنى الاستقرار ومنه:

واستوت على الجودي

[هود: 44]، وبمعنى القصد ومنه:

ثم استوى إلى السمآء

[البقرة: 29]، وكل من فرغ من أمر وقصد لغيره فقد استوى له وإليه. قال الفراء: تقول العرب: استوى إلي يخاصمني، أي: أقبل علي، ويأتي بمعنى الاستيلاء قال الشاعر:

* قد استوى بشر على العراق *

وقال آخر:

فلما علونا واستوينا عليهم

تركناهم صرعى لنسر وكاسر

ويأتي بمعنى العلو، ومنه آية:

فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك

محاسن التأويل · الصفحة ١١٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١١٧١