7.31
﴿ يابني ءادم خذوا زينتكم ﴾ أي: من اللباس ﴿ عند كل مسجد ﴾ أي: بيت بني للعبادة، على أنه اسم مكان، أو مصدر بمعنى السجود، مرادا به الصلاة والعبادة، فإن العبادة أولى أوقات التزين ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ أيام الحج تقويا على العبادة ﴿ ولا تسرفوا ﴾ أي: إسرافا يوجب الانهماك في الشهوات ويشغل عن العبادة، أو لا تحرموا الطيبات من الرزق واللحم والدسم ﴿ إنه لا يحب المسرفين ﴾ المعتدين.
تنبيهات
الأول: كنا أسلفنا في مقدمة هذا التفسير، أن من فوائد معرفة سبب النزول والوقوف على المعنى، وإزالة الإشكال. وهذه الآية إنما أجملنا تفسيرها بما ذكرنا؛ لأنها نزلت في ذلك. فقد روى مسلم عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافا؟ تجعله على فرجها وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله
وما بدا منه فلا أحله
فنزلت هذه الآية: ﴿ خذوا زينتكم... ﴾ الآية. ونزلت: ﴿ قل من حرم زينة الله... ﴾ الآية.
وعند ابن جرير عن ابن عباس قال: كانوا يطوفون عراة، الرجال بالنهار، والنساء بالليل، وكانت المرأة تقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله
فما بدا منه فلا أحله
فنزلت: ﴿ خذوا زينتكم ﴾. قال في (اللباب): وفي رواية أخرى عنه: فأمرهم الله تعالى أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعروا. وروى العوفي عن ابن عباس أيضا في الآية قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة، والزينة اللباس، وهو ما يواري السوأة، وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع، فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد. وأخرج أبو الشيخ عن طاووس قال: أمروا بلبس الثياب، وأخرج من وجه آخر عنه قال: الشملة من الزينة، وقال مجاهد: كان حي من أهل اليمن إذا قدم أحدهم حاجا أو معتمرا يقول: لا ينبغي لي أن أطوف في ثوب قد عصيت فيه فيقول: من يعيرني مئزرا؟ فإن قدر عليه وإلا طاف عريانا. فأنزل الله تعالى فيه ما تسمعون: ﴿ خذوا زينتكم... ﴾ الآية. وقال الزهري: إن العرب كانت تطوف بالبيت عراة إلا الحمس - وهم قريش وأحلافهم - فمن جاء من غير الحمس، وضع ثيابه، وطاف في ثوب أحمسي، ويرى أنه لا يحل له أن يلبس ثيابه، فإن لم يجد من يعيره من الحمس، فإنه يلقي ثيابه، ويطوف عريانا، وإن طاف في ثياب نفسه ألقاها، وإذا قضى طوافه وحرمها، أي جعلها حراما عليه، فلذلك قال تعالى: ﴿ خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾. والمراد من الزينة الثياب التي تستر العورة. قال مجاهد: ما يواري عوراتكم، ولو عباءة - انتهى.
قال ابن كثير: هكذا قال مجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وقتادة والسدي، والضحاك ومالك عن الزهري وغير واحد من أئمة السلف في تفسيرها: أنها نزلت في طواف المشركين بالبيت عراة - انتهى - فظهر أن المراد بالزينة ما يستر العورة لأنه اللازم المأمور به الذي بينه سبب النزول، دون لباس التجمل المتبادر منه، لأن المستفاد من (خذوا) هو وجوب الأخذ، ولباس التجمل مسنون - قاله الشهاب - وأقول: دلت الآية بما أفاده سبب نزولها، على أن الزينة لا تختص، لغة، بالجيد من اللباس كما توهم.
وقد بين ذلك العوفي عن ابن عباس فيما نقلناه.
وفي (التهذيب): الزينة إسم جامع لكل شيء يتزين به. ومثله في (الصحاح) و (القاموس) وعبارته: الزينة ما يتزين به.
وقال الحرالي: الزينة تحسين الشيء بغيره من لبسة أو حلية أو هيئة.
وقال الراغب: الزينة الحقيقية ما لا يشين الإنسان في شيء من أحواله، لا في الدنيا ولا في الآخرة - انتهى.
وقد نقل الرازي إجماع المفسرين على أن المراد ب(الزينة) لبس الثياب التي تستر العورة. قال: والزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات، قال: وأيضا إنه تعالى قال في الآية المتقدمة:
قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا
[الأعراف: 26] فبين أن اللباس الذي يواري السوأة من قبيل الرياش والزينة. ثم إنه تعالى أمر بأخذ الزينة في هذه الآية، فوجب أن يكون المراد من هذه الزينة هو الذي تقدم ذكره في تلك الآية. وأيضا فقوله: ﴿ خذوا زينتكم ﴾ أمر، والأمر للوجوب، فثبت أن أخذ الزينة واجب، وكل ما سوى اللبس فغير واجب، فوجب حمل الزينة على اللبس عملا بالنص بقدر الإمكان. ولا يقال: إن قوله: ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ أمر إباحة، فيكون المعطوف عليه كذلك؛ لأنه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف، تركه في المعطوف عليه.