تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.157

﴿ الذين ﴾ بدل من الموصول الأول، بدل الكل، أو منصوب على المدح، أو مرفوع عليه، أي: أعني الذين أو هم الذين ﴿ يتبعون الرسول ﴾ أي: الذي أرسل إلى الخلائق لتكميلهم ﴿ النبي ﴾ أي: الذي نبئ بأكمل الإعتقادات والأعمال والأخلاق والأحوال والمقامات من جهة الوحي ﴿ الأمي ﴾ أي: الذي لم يحصل علما من بشر ﴿ الذي يجدونه مكتوبا ﴾ أي: باسمه (محمد وأحمد) ونعوته ﴿ عندهم ﴾ زيد هذا لزيادة التقرير، وأن شأنه عليه الصلاة والسلام حاضر عندهم لا يغيب عنهم أصلا ﴿ في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ﴾ يعني: الإيمان بالله، ووحدانيته والشرائع ومكارم الأخلاق؛ لأن جميع ذلك تعرف صحته إما بالعقل وإما بالشرع ﴿ وينهاهم عن المنكر ﴾ يعني: الكفر والشرك والمعاصي ومساوئ الأخلاق، لأن العقل والشرع ينكره ﴿ ويحل لهم الطيبات ﴾ أي: التي حرمت عليهم لمعاصيهم ﴿ ويحرم عليهم الخبآئث ﴾ أي: التي كانوا يتناولونها كالخنزير والميتة والدم - هذا في باب المأكولات ﴿ ويضع عنهم إصرهم ﴾ أي: الأمر الذي يثقل عليهم من التكاليف الشاقة ﴿ والأغلال التي كانت عليهم ﴾ جمع (غل) بالضم، وهو ما يوضع في العنق أو اليد من الحديد، يستعار للشرائط الحرجة والمواثيق الشديدة، أي: يخفف عنهم ما كلفوه منها - وهذا في باب العبادات ﴿ فالذين آمنوا به ﴾ أي: بالنبي الأمي وهو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وعزروه ﴾ أي: عظموه ووقروه ﴿ ونصروه ﴾ أي: على أعدائه في الدين فمنعوهم عنه ﴿ واتبعوا النور الذي أنزل معه ﴾ وهو القرآن، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه.

ولا يقال: القرآن أنزل مع جبريل، فما معنى ﴿ أنزل معه ﴾؟ لأن المراد أنزل مع نبوته، لأن استنباءه كان مصحوبا بالقرآن مشفوعا به، ويجوز أن يعلق ب (اتبعوا) أي واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي، والعمل بسنته، وبما أمر ونهى عنه، فيكون أمرا بالعمل بالكتاب والسنة، أو هو حال، أي: اتبعوا القرآن كما اتبعه، مصاحبين له في اتباعه. وفي التعبير عن القرآن ب (النور) المنبئ عن كونه ظاهرا بنفسه لإعجازه، ومظهرا لغيره من الأحكام، لمناسبة الاتباع ﴿ أولئك هم المفلحون ﴾ الفائزون بالرحمة، والناجون من النقمة.

تنبيهات

الأول: يظهر من سياق الآية أن قوله تعالى:

قال عذابي...

[الأعراف: 156] الخ، جواب لموسى عليه السلام، وذلك أنه دعا بالمغفرة لقومه أجمعين، وكتابة حسنتي الدنيا والآخرة لهم، فأجيب أولا بأن ذلك لا يحصل لقومه كلهم، بر أو فاجرا، لما سبق من تقديره سبحانه العذاب لمن يشاء من الفجار حكمة منه وعدلا. ولذلك قرأ الحسن وزيد بن علي هنا (من أساء) فعل ماض من (الإساءة)، وفي طيه أن ما أصاب قومه من الرجفة من عذابه تعالى، الذي شاء إصابتهم به لأفاعيلهم. وثانيا إنه لا يستأهل كتابة الحسنتين إلا المتقون المتصدقون المؤمنون بالآيات، المتبعون للنبي الأمي، فمن استقام على هذه الشرائط، كتب له ذلك.

ولا يقال - على هذا - كيف يتبعونه ولم يدركوا زمنه؟ لأنا نقول: الإتباع أعم من الإتباع (بالقوة)، وذلك بالإيمان به إجمالا، حسبما أشار له الكتابان، لمن تقدم موته على زمن بعثته، وإما (بالفعل) لمن لحق زمان بعثته. وفيه تبشير لموسى بالنبي صلى الله عليه وسلم، وتعريف له بشأنه وإعلام بأن كتابة الرحمة موقوفة على اتباعه. وعليه فيكون قوله تعالى: ﴿ الذين يتبعون ﴾ بدلا من الموصول الأول، بدل الكل، أو منصوب على المدح، أو مرفوع عليه. أي: أعني الذين، أو هم الذين.

وقال بعضهم: إن جواب موسى ينتهي إلى قوله تعالى:

والذين هم بآياتنا يؤمنون

[الأعراف: 156] وما بعده مستأنف، فكأنه تعالى أعلم موسى بأنه ذو عذاب، يصيب به من يشاء، كما أصاب أصحاب الرجفة، وذو رحمة واسعة، تكتب للمتقين المتصدقين المؤمنين بالآيات، أي: فأمر قومك بأن يكونوا من الفريق المرحوم بالمشي على هذا الوصف المرقوم. ثم استأنف تعالى الإخبار عمن يتبع النبي الأمي بأنهم المفلحون حقا، وعليه فيكون قوله تعالى: ﴿ الذين يتبعون ﴾ مبتدأ، خبره ﴿ أولئك هم المفلحون ﴾ ، وتكون القصة استتبعت أعقاب بني إسرائيل، بأنهم إذا اتبعوا النبي الأمي، كانوا هم المفلحين.

محاسن التأويل · الصفحة ١٢٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٢٥٤