تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.78

﴿ فأخذتهم الرجفة ﴾ أي: الصيحة التي يحصل منها الزلزلة الشديدة بدل صوت الناقة عند عقرها، وبدل حركتها عند نزع الروح ﴿ فأصبحوا في دارهم ﴾ في بلادهم أو مساكنهم ﴿ جاثمين ﴾ أي: ساقطين على وجوههم، هامدين لا يتحركون، ميتين بدل موت الناقة وسقوطها. والصيحة والزلزلة من آثار الريح المرسلة التي كانت رحمة فانقلبت عذابا.

7.79

﴿ فتولى ﴾ أي: فأعرض صالح ﴿ عنهم وقال يقوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ﴾ المتضمنة لتخويف العذاب عنه ﴿ ونصحت لكم ﴾ فأمرتكم بكل خير، ونهيتكم عن كل شر ﴿ ولكن لا تحبون النصحين ﴾ أي: من الرسل والأنبياء والعلماء لمخالفتهم أهويتكم. والظاهر أن صالحا عليه السلام كان مشاهدا لما جرى عليهم، وأنه تولى عنهم، بعد ما أبصرهم جاثمين، تولي مغتم متحسر على ما فاته من إيمانهم، يتحزن لهم بقوله: ﴿ يقوم... ﴾ الخ، كذا في (الكشاف)، أو خاطبهم خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر حيث قال:

" إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا "

- كما رواه البخاري - لا تحزنا، ولكن إعلاما بنصر الله له، وتحقيق رسالته، زيادة في حزنهم وتوبيخهم، فإن الأحياء ليسوا بأسمع منهم، ولكن لا يتكلمون. كما في (الصحيح).

ويجوز عطف قوله: ﴿ فتولى ﴾ على قوله:

فأخذتهم الرجفة

[الأعراف: 78]، فيكون الخطاب لهم حين أشرفوا على الهلاك، لا بعده. فيكون عليه السلام تولى عنهم تولي ذاهب عنهم، منكر لإصرارهم حين رأى علامات نزول العذاب. والمتبادر الأول لظهور الفاء في التعقيب - والله أعلم -.

تنبيهات

الأول: نأثر هنا ما رواه علماء التاريخ والنسب في بسط قصة ثمود، لمكان العظة والإعتبار مفصلا، وإلا فجلي أن ما أجمله التنزيل الكريم لا غاية وراءه في ذلك، وما سكت عن بيانه من تلك القصص، فلا حاجة إلى السعي وراءه لفقد القطع به، اللهم إلا لزيادة الإتعاظ، وتقوية العبرة، ولذا صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ".

وخلاصة ما رووه عن ثمود: أن عادا لما هلكت، عمرت ثمود بلادها، وخلفوهم في الأرض، وكانوا في سعة ورخاء من العيش، فعتوا على الله، وأفسدوا في الأرض، وعبدوا الأوثان، فبعث الله تعالى إليهم صالحا عليه السلام، وكانوا قوما عربا، وصالح من أوسطهم نسبا، فدعاهم إلى عبادته تعالى وحده، فلم يتبعه إلا قليل منهم مستضعفون، فحذرهم وأنذرهم، فسألوه آية، واقترحوا عليه بأن يخرج لهم ناقة عشراء، تمخض من صخرة صماء، عينوها بأنفسهم، وكانت صخرة منفردة في ناحية الجبل، يقال لها (الكائبة)، فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق: لئن أجابهم الله إلى طلبتهم ليؤمنن به وليتبعنه. فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم، قام صالح عليه السلام إلى صلاته، ودعا الله عز وجل، فتحركت تلك الصخرة، ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء، يتحرك جنينها بين جنبيها، كما سألوا. فعند ذلك آمن رئيسهم جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره، وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا، فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والخباب، صاحب أوثانهم، ورباب بن صعمر بن جلمس.

وكان لجندع بن عمرو ابن عم له، شهاب بن خليفة بن محلاة بن لبيد بن جواس، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فأراد أن يسلم أيضا فنهاه أولئك الرهط فأطاعهم، فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود يقال له مهوش بن عنمة بن الزميل رحمه الله:

وكانت عصبة من آل عمرو

إلى دين النبي دعوا شهابا

عزيز ثمود كلهم جميعا

فهم بأن يجيب ولو أجابا

لأصبح صالح فينا عزيزا

وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا

ولكن الغواة من آل حجر

تولوا بعد رشدهم ذبابا

وأقامت الناقة وفصيلها، بعد ما وضعته، بين أظهرهم مدة، تشرب من بئرها يوما، وتدعه لهم يوما، وكانوا يشربون لبنها يوم شربها، يحتلبونها فيملؤون ما شاؤوا من أوعيتهم وأوانيهم، كما قال في الآية الأخرى:

محاسن التأويل · الصفحة ١٢٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٢٠٧