7.25
﴿ قال فيها ﴾ أي: الأرض ﴿ تحيون ﴾ تعيشون ﴿ وفيها تموتون ومنها تخرجون ﴾ أي: يوم القيامة للجزاء، كقوله تعالى:
منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى
[طه: 55]. ثم ذكرهم سبحانه بنعمته في تبوئة الدار والمستقر في الأرض، وكسوتهم لباسا يسترون به سوءاتهم، بعدما نزع عنهما لباس الجنة، وذلك لما هم، بعد الإهباط، من الحاجة إلى اللباس والمعاش، فقال سبحانه:
﴿ يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا... ﴾.
7.26
﴿ يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا ﴾ يعني: ما يلبس من الثياب وغيره.
قال الزمخشري: جعل ما في الأرض منزلا من السماء؛ لأنه قضى ثمة وكتب، أي: قضى وقسم لكم، وقضاياه وقسمه توصف بالنزول من السماء، حيث كتب في اللوح المحفوظ.
وقال أبو البقاء: لما كان الريش واللباس ينبتان بالمطر، والمطر ينزل، جعل ما هو المسبب بمنزلة السبب - انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في فتوى له في معنى النزول: لا حاجة إلى إخراج اللفظ عن معناه المعروف لغة، فإن اللباس ينزل من ظهور الأنعام، فامتن سبحانه بما ينتفعون به من الأنعام في اللباس والأثاث، وهذا - والله أعلم - معنى إنزاله، فإنه ينزله من ظهور الأنعام وهو كسوة الأنعام من الأصواف والأوبار والأشعار، وينتفع به بنو آدم في اللباس والرياش، فقد أنزلها عليهم، وأكثر أهل الأرض كسوتهم من جلود الدواب، فهي لدفع الحر والبرد، وأعظم مما يصنع من القطن والكتان.
﴿ يواري سوءاتكم ﴾ أي: يستر عوراتكم التي قصد إبليس إبداءها من أبويكم حتى اضطرا إلى خصف الأوراق، وأنتم مستغنون عن ذلك. ﴿ وريشا ﴾ عطفه إما من عطف الصفات، فوصف اللباس بشيئين: مواراة السوأة والزينة، فالريش بمعنى الزينة؛ لأنه زينة الطير، فاستعير منه. وأما من عطف الشيء على غيره. أي: أنزلنا لباسين: لباس مواراة، ولباس زينة؛ فيكون مما حذف فيه الموصوف، أي لباسا ريشا أي: ذا ريش، والريش مشترك بين الاسم والمصدر. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وحكاه البخاري عنه: الريش: المال. وحكاه غير واحد من السلف. قال الإمام ابن تيمية: وبعض المفسرين أطلق عليه لفظ المال، والمراد به مال مخصوص. قال ابن زيد: جمالا. وقرئ: " رياشا ". قال ابن السكيت: الرياش: هو الأثاث من المتاع، ما كان من لباس أو حشو من فراش أو دثار، والريش: المتاع والأموال، وقد يكون في الثياب دون الأموال. وإنه لحسن الريش، أي: الثياب -انتهى.
ويقال: راش فلان، أي: جمع الريش، وهو المال والأثاث. وراش الصديق أطعمه وسقاه وكساه، وأصله من الريش، كأن الفقير المملق لا نهوض له، كالمقصوص منه الجناح، وكل من أوليته خيرا، فقد رشته - كذا في تاج العروس.
فائدة
روى الإمام أحمد عن أبي أمامة عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم:
" من استجد ثوبا فلبسه، فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي. ثم عمد إلى الثوب الذي أخلق فتصدق به، كان في ذمه الله تعالى وفي جوار الله، وفي كنف الله حيا وميتا "
ورواه الترمذي وابن ماجة، وروى الإمام أحمد عن أبي مطر أنه رأى عليا رضي الله عنه أتى غلاما حدثا، فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم، ولبسه إلى ما بين الرسغين إلى الكعبين، ويقول ولبسه: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي.
فقيل: هذا شيء ترويه عن نفسك أو عن نبي الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هذا شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الكسوة:
" الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي ".
ولما بين تعالى ساتر الظاهر وزينته، أشار إلى ساتر عيوب الباطن وزينته بقوله: ﴿ ولباس التقوى ﴾ أي: خشية الله، أو الإيمان، أو السمت الحسن، والكل متقارب، ورفعة بالابتداء خبره جملة ﴿ ذلك خير ﴾ أو خير، وذلك صفته، كأنه قيل: ولباس التقوى المشار إليه خير.