تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تنبيه

قال الجشمي: إن قيل: كيف تتصل الآية بما قبلها؟ قلنا: على القول بأنه عنى بها فرعون فقد اتصلت قصته بقصة بني إسرائيل. وقيل: لما نهى عن تقليد الآباء في الدين، بين في هذه الآية حال علماء السوء، الذين يختارون الدنيا على الآخرة، نهيا عن تقليدهم واتباعهم، كما نهى عن تقليد الآباء. وقيل: لما تقدم ذكر أخذ الميثاق، بين حال من آتاه الله الآيات فانسلخ منها ولم يتبعها. اه.

7.178

﴿ من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ﴾ قال أبو السعود: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقص قصص المنسلخ على هؤلاء الضالين الذين مثلهم كمثله، ليتفكروا فيه، ويتركوا ما هم عليه من الإخلاد إلى الضلالة، ويهتدوا إلى الحق، عقب ذلك بتحقيق أن الهداية والضلالة من جهة الله عز وجل، وإنما العظة والتذكير من قبيل الوسائط العادية في حصول الاهتداء، من غير تأثير لها فيه، سوى كونها دواعي إلى صرف العبد اختياره نحو تحصيله، حسبما نيط به خلق الله تعالى إياه، كسائر أفعال العباد.

7.179

﴿ ولقد ذرأنا ﴾ أي: خلقنا ﴿ لجهنم ﴾ أي: لدخولها والتعذيب بها ﴿ كثيرا من الجن والإنس ﴾ وهم الكفار من الفريقين، الموصوفون بقوله تعالى: ﴿ لهم قلوب لا يفقهون بها ﴾ أي: آيات الله الهادية إلى الكمالات ﴿ ولهم أعين لا يبصرون بها ﴾ أي: دلائل وحدته، بصر اعتبار ﴿ ولهم آذان لا يسمعون بهآ ﴾ أي: الآيات والمواعظ سماع تدبر واتعاظ، يعني: أنهم لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سببا للهداية، كما قال تعالى:

وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فمآ أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله

[الأحقاف: 26].

﴿ أولئك كالأنعام ﴾ أي: السارحة التي لا تنتفع بهذه الحواس منها، إلا في الذي يقيتها، كقوله تعالى:

ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعآء وندآء

[البقرة: 171] أي: ومثلهم في حال دعائهم إلى الإيمان، كمثل الأنعام إذا دعاها راعيها، لا تسمع إلا صوته، ولا تفقه ما يقول.

وقوله تعالى: ﴿ بل هم أضل ﴾ أي: من الأنعام، إذ ليس للأنعام قوة تحصيل تلك الكمالات ودفع تلك النقائص، وهم مع ما لهم من تلك القوة قد خلوا عن الكمالات، وعن دفع أضدادها، فكانوا أردأ حالا منها؛ لنقصهم مع وجود قوة الكمال فيهم. وأيضا: الأنعام تبصر منافعها ومضارها، فتلزم بعض ما تبصره، وهؤلاء، أكثرهم يعلم أنه معاند، فيقدم على النار. وأيضا: الأنعام قد تستجيب لراعيها، وإن لم تفقه كلامه، بخلاف هؤلاء، وأيضا: إنها تفعل ما خلقت له، إما بطبعها، وإما بتسخيرها، بخلاف هؤلاء، فإنهم خلقوا ليعبدوا الله، ويوحدوه، فكفروا به وأشركوا ﴿ أولئك هم الغافلون ﴾ أي: عن تلك الكمالات والنقائص، ليهتموا لتحصيلها ودفعها، اهتمامهم لجر المنافع الدنيوية، ودفع مضارها.

تنبيه

قال أبو السعود: المراد بهؤلاء الذي ذرؤوا لجهنم، الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة، لكن لا بطريق الجبر، من غير أن يكون من قبلهم ما يؤدي إلى ذلك، بل لعلمه تعالى بأنهم لا يصرفون اختيارهم نحو الحق أبدا، بل يصرون على الباطل من غير صارف يلويهم، ولا عاطف يثنيهم من الآيات والنذر. فبهذا الاعتبار جعل خلقهم مغيا بها، كما أن جميع الفريقين باعتبار استعدادهم الكامل الفطري للعبادة، وتمكنهم التام منها، جعل خلقهم مغيا بها. كما نطق به قوله تعالى:

وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

[الذاريات: 56].

محاسن التأويل · الصفحة ١٢٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٢٧٣