7.88
﴿ قال الملأ الذين استكبروا من قومه ﴾ أي: عن الإيمان ﴿ لنخرجنك يشعيب والذين آمنوا معك من قريتنآ أو لتعودن ﴾ أي: إلى ترك دعوة الرسالة، والإقرار بها، داخلين: ﴿ في ملتنا ﴾ أي: ملة المشركين.
قال الجشمي: الملة: الديانة التي يجمع على العمل بها فرقة عظيمة. والأصل فيه تكرر الأمر، من قولهم: طريق ممل ومليل، إذا تكرر سلوكه حتى صار معلما. ومنه الملل: تكرار الشيء على النفس حتى تضجر منه - انتهى.
﴿ قال ﴾ أي: شعيب ﴿ أولو كنا كارهين ﴾ أي: أتجبروننا على ذلك، وإن كنا كارهين له؟ مع أنه لا فائدة في الإكراه، لأن دينكم إن كان حقا، لم نكن بالإكراه منقادين له، وإن كان باطلا، لم نكن بالإكراه متصفين به؛ لأنه بالحقيقة صفة القلب، ولا يسري إكراهكم إليه. وكيف لا نكرهه وهو يستلزم غاية القبح والظلم.
7.89
﴿ قد افترينا على الله كذبا ﴾ أي: اختلفنا عليه باطلا بأن له شريكا ﴿ إن عدنا ﴾ إلى ترك دعوى الرسالة والإقرار بها، لندخل ﴿ في ملتكم ﴾ القائلة بأن له شريكا ﴿ بعد إذ نجانا الله منها ﴾ فأرانا الله أنه كالإنجاء من النار ﴿ وما يكون ﴾ أي: ينبغي: ﴿ لنآ أن نعود ﴾ أي: عن دعوى الرسالة والإقرار بها فنصير ﴿ فيهآ إلا أن يشآء الله ربنا ﴾ أي: الذي يربينا بما علم من استعدادنا، لأنه ﴿ وسع ربنا كل شيء علما ﴾ أي: فعلم استعداد كل واحد في كل وقت لكن ﴿ على الله توكلنا ﴾ أي: ليحفظنا عن المصير إليها ﴿ ربنا ﴾ إن قصدوا إكراهنا عليها، أو إخراجنا من قريتهم ﴿ افتح بيننا وبين قومنا بالحق ﴾ فغلبنا عليهم ﴿ وأنت خير الفاتحين ﴾ أي: خير الحاكمين، فلا تغلب الظالمين وإن كثروا على المظلومين إذا استفتحوك.
تنبيهات
الأول: اعلم أن ظاهر قوله تعالى:
أو لتعودن في ملتنا
[الأعراف: 88] وقوله: ﴿ بعد إذ نجانا الله منها ﴾ يدل على أن شعيبا عليه السلام كان على ملتهم قبل بعثته، ومعلوم عصمة الأنبياء عن الكبائر، فضلا عن الشرك.
وفي (المواقف وشرحها): أن الأمة أجمعت على عصمة الأنبياء من الكفر قبل النبوة وبعدها، غير أن الأزارقة من الخوارج جوزوا عليهم الذنب، وكل ذنب عندهم كفر، فلزمهم تجويز الكفر، وجوز الشيعة إظهار الكفر تقية عند خوف الهلاك، واحترازا عن إلقاء النفس في التهلكة. ومثله في (شرح التجريد).
ولما تقرر إجماع الأمة على ما ذكر، كان للعلماء في هذه الآية وجوه:
منها: أن العود المقابل للخروج، هو العود إلى ترك دعوى الرسالة والإقرار بها. والجار والمجرور حال، أي: ليكن منكم الخروج من قريتنا، أو العود إلى ترك دعوى الرسالة والإقرار بها، داخلين في ملتنا، وهذا الوجه اقتصر عليه المهايمي، وسايرناه فيه مع تفسير تتمة الآية.
ومنها: أن العود المذكور إلى ما خرج منه، وهو القرية. والمجرور حال كالسابق. أي: ليكن منكم الخروج من قريتنا أو العود إليها، كائنين في ملتنا. وعدي (عاد) ب (في) كأن الملة لهم بمنزلة الوعاء المحيط بهم.
ومنها: أن هذا القول جار على ظنهم أنه كان في ملتهم، لسكوته قبل البعثة عن الإنكار عليهم.
ومنها: أنه صدر عن رؤسائهم تلبيسا على الناس، وإيهاما لأنه كان على دينهم، وما صدر عن شعيب عليه السلام كان على طريق المشاكلة.
ومنها: أن:
لتعودن
[الأعراف: 88] بمعنى لتصيرن، إذ كثيرا ما يرد (عاد) بمعنى (صار)، فيعمل عمل (كان)، ولا يستدعي الرجوع إلى حالة سابقة، بل عكس ذلك، وهو الانتقال من حال سابقة، إلى حال مؤتنفة مثل (صار). وكأنهم قالوا - والله أعلم - لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا، أو لتصيرن كفارا مثلنا.
قال الرازي: تقول العرب قد عاد إلي من فلان مكروه، يريدون: قد صار إلي منه المكروه ابتداء. قال الشاعر:
فإن تكن الأيام أحسن مدة
إلي فقد عادت لهن ذنوب
أراد: فقد صارت لهن ذنوب، ولم يرد أن ذنوبا كانت لهن قبل الإحسان - انتهى.