وجوز بعضهم أن يكون قوله تعالى:
قال عذابي
[الأعراف: 156] ارتجال خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، قصد به إعلام أهل الكتاب المعاصرين له، صلى الله عليه وسلم بأنهم إذا اتبعوه وآمنوا به وصدقوه، حقت لهم رحمته تعالى الواسعة، وإلا فلا يأمنوا أن يصابوا بانتقامه تعالى، كما جرى لأسلافهم. وفي ذلك كله من التنويه بشأن النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه المتقين، ما لا يخفى.
الثاني: تطلق الرحمة على التعطف والمغفرة والإحسان - هذا ما ذكر في اللغة - وعندي أن القرآن الكريم قد تطلق فيه على الجنة، كما قال تعالى:
يدخل من يشآء في رحمته
[الإنسان: 31] بدليل المقابلة بقوله:
والظالمين أعد لهم عذابا أليما
[الإنسان: 31] فلعل الرحمة في قوله تعالى هنا:
ورحمتي وسعت كل شيء
[الأعراف: 156] بمعنى: الجنة، بدليل مقابلتها بالعذاب قبل. والله أعلم.
وقال أبو منصور: ما من أحد مسلم وكافر، إلا وعليه من آثار رحمته في هذه الدنيا. بها يتعيشون ويؤاخون ويوادون، وفيها ينقلبون، لكنها للمؤمنين خاصة في الآخرة، لا حظ للكافر فيها، وذلك قوله:
فسأكتبها للذين يتقون
[الأعراف: 156] أي: معصية الله، والخلاف له
ويؤتون الزكاة
[الأعراف: 156] كقوله تعالى:
قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة
[الأعراف: 32] جعل طيبات الدنيا ونعيمها مشتركة بين المسلم والكافر، خالصة للذين آمنوا يوم القيامة، لاحظ للكافر فيها. فعلى ذلك رحمته نالت كل أحد في هذه الدنيا، لكنها للذين آمنوا واتقوا الشرك خاصة في الآخرة، ويحتمل قوله - و الله أعلم.
واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة
[الأعراف: 156] أنهم سألوا الرحمة، فقال: سأكتبها للذين يتقون معاصي الله ومخالفته. انتهى.
الثالث: إنما أفرد (الزكاة) بالذكر، مع دخولها في التقوى قبل، لعلوها وشرفها، فإنها عنوان الهداية، ولأنها كانت أشق عليهم، فذكرها لئلا يفرطوا فيها.
الرابع: كونه صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولا يقرأ، أمر مقرر مشهور. وهل صدر عنه ذلك في كتابة صلح الحديبية كما هو ظاهر الحديث المشهور، أو أنه لم يكتب، وإنما أسند إليه مجازا، أو أنه صدر منه ذلك معجزة؟ - انظر في (فتح الباري) تفصيله.
و (الأمي) نسبة إلى أمة العرب؛ لأن الغالب عليهم كان ذلك، كما في الحديث:
" إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب "
، وأما نسبته إلى (أم القرى) فلأن أهلها كانوا كذلك. أو إلى (أمه)، كأنه على الحالة التي ولدته أمه عليها. وقيل: إنه منسوب (إلى الأم) - بفتح الهمزة - بمعنى القصد؛ لأنه المقصود، وضم الهمزة من تغيير النسب. ويؤيده قراءة يعقوب (الأمي) - بفتح الهمزة - وإن احتملت أن تكون من تغيير النسب أيضا، وإنما وصفه تعالى به تنبيها على أن كمال علمه مع حاله إحدى معجزاته، فهي له مدح وعلو كعب، لأنها معجزة له، كما قال البوصيري:
* كفاك بالعلم في الأمي معجزة *
كما أن صفة التكبر لله مادحة، وفي غيره ذامة، كذا في (العناية).
الخامس: في قوله تعالى: ﴿ الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ﴾ إشارة إلى بشائر الأنبياء عليهم السلام، بنبوته صلى الله عليه وسلم.
قال الماوردي في (أعلام النبوة): في الباب الخامس عشر في بشائر الأنبياء بنبوته عليه الصلاة والسلام: إن لله تعالى عونا على أوامره، وإغناء عن نواهيه، فكأن أنبياء الله تعالى معانين على تأسيس النبوة، بما تقدمه من بشائرها، وتبديه من أعلامها وشعائرها، ليكون السابق مبشرا ونذيرا، واللاحق مصدقا وظهيرا، فتدوم بهم طاعة الخلق، وينتظم بهم إستمرار الحق. وقد تقدمت بشائر من سلف من الأنبياء بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، مما هو حجة على أممهم، ومعجزة تدل على صدقه عند غيرهم، بما أطلعه الله تعالى على غيبه، ليكون عونا للرسول، وحثا على القبول. فمنهم من عينه باسمه، ومنهم من ذكره بصفته، ومنهم من عزاه إلى قومه، ومنهم من أضافه إلى بلده، ومنهم من خصه بأفعاله، ومنهم من ميزه بظهوره وإنتشاره. وقد حقق الله تعالى جميعها فيه، حتى صار جليا بعد الإحتمال ويقينا بعد الإرتياب، ثم سرد الماوردي البشائر من نصوص كتبهم.