89.4
قسم برب الليل إذا يسر بمضيه وانقضائه إلى طلوع الفجر. ويقال: إنه أقسم بليلة المزدلفة اذ أسري فيها، وعلى هذا قال بعضهم: إن المراد بالفجر يوم عرفة.
ووجه حذف الياء من (يسر) أنها رأس آية، ورؤوس الآي كالفواصل من العشر. قرأ نافع وأبو عمرو بالياء في الوصل، وقرأ ابن عامر وعاصم بحذفها وصلا ووقفا، وقرأ ابن كثير ويعقوب بالياء في الحالتين.
89.5
لفظه لفظ استفهام بمعنى التقرير، يقول: بعد هذا الذي عقل قسم، والحجر: هو العقل، وجواب القسم
إن ربك لبالمرصاد
[الفجر: 14].
89.6-8
قوله تعالى: ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بعاد ﴾؛ ألم تعلم كيف صنع ربك بعاد وكيف أهلكهم، ﴿ إرم ذات العماد ﴾ ، وأما إرم فهو صفة لعاد، وهي عادان: عاد الأولى وهي إرم، وعاد الآخرة. ولم يصرف إرم؛ لأنها اسم للقبيلة، وكان إرم أبا عادين فنسبوا إلى أبيهم. وقيل: إن إرم كانت قبيلة من عاد وكان فيهم الملك، ﴿ التي لم يخلق مثلها في البلاد ﴾.
قوله تعالى: ﴿ ذات العماد ﴾ أي القامات الطوال والقوى الشدائد، يقال رجل معمد ورجل عمدان إذا كان طويلا قويا، قال ابن عباس: ((كانت قامة الرجل منهم أربعمائة ذراع، لم يخلق مثلهم في زمانهم قوة وخلقا)). ويقال: إنه اسم مدينة ذات العماد والذهب والفضة، بناها شداد بن عاد. والقول الأول أقرب إلى ظاهر الآية؛ لأن الغرض بهذه الآية زجر الكفار، وكان الله بين بإهلاكهم مع قوتهم أنه على إهلاك هؤلاء الكفار أقدر.
وقصة مدينة إرم ذات العماد ما روى وهب بن منبه عن عبدالله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له شردت. فبينما هو في صحارى عدن، إذ وقع على مدينة في تلك الفلوات، عليها حصن وحول الحصن قصور كثيرة وأعلام طوال.
فلما دنا منها ظن أن فيها أحدا يسأله عن إبله، فلم ير خارجا ولا داخلا، فنزل عن دابته وعقلها، وسل سيفه ودخل من باب الحصن، فلما خلف الحصن وراءه إذ هو ببابين عظيمين وخشبهما من أطيب عود، والبابان مرصعان بالياقوت الأبيض والأحمر، ففتح أحدهما فإذا هو بمدينة فيها قصور، كل قصر تحته أعمدة من زبرجد وياقوت، وفوق كل قصر منها غرف، وفوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت، ومصاريع تلك الغرف من أطيب عود مرصعة بالياقوت الأبيض والأحمر، والغرف مفروشة كلها باللؤلؤ والمسك والزعفران.
ثم نظر في الأزقة فإذا في كل زقاق شجر مثمر، وتحت الأشجار أنهار مطردة ماؤها في مجاري من فضة. فقال الرجل: هذه هي الجنة التي وصفها الله تعالى في كتابه، فحمل معه من لؤلؤها ومسكها وزعفرانها؛ ورجع إلى اليمن وأعلم الناس بأمره.
فبلغ معاوية فأحضره وسأل كعب الأحبار: هل في الدنيا مدينة من ذهب وفضة؟ قال: نعم، قال أخبرني من بناها؟ قال: بناها شداد بن عاد، واسم المدينة إرم ذات العماد، وهي التي لم يخلق مثلها في البلاد. قال معاوية: فحدثني بحديثها.
قال: يا معاوية إن رجلا من عاد الأولى كان له إبنان: شداد وشديد، كان قد قهر البلاد وأخذها عنوة، وليس هو من قوم هود، وإنما عاد هو من ذريته، فأقام شداد وشديد ما شاء الله أن يقيما، ثم مات شديد وبقي شداد، فملك وحده وتدانت له ملوك الأرض، وكان ولعا بقراءة الكتب.
فلما مر فيها بذكر الجنة، دعته نفسه إلى بناء مثلها عتوا على الله تعالى، فأمر ببناء هذه المدينة المذكورة، فأمر على صنعتها مائة أمير، مع كل أمير ألف من الأعوان، وكتب إلى كل ملك في الدنيا أن يجمع له ما في بلاده من الجواهر، وكانت تحت يده مائتان وستون ملكا.
قال معاوية: كم أقام في مدة بنائها؟ قال: أقاموا ثلاثمائة سنة في بنائها وعمارتها. قال: فكم كان عمر شداد؟ قال: سبعمائة سنة، وإنما سماها الله ذات العماد؛ لأجل الأعمدة التي تحتها من الزبرجد والياقوت.
قال كعب: فلما فرغوا من بنائها أعلموا شدادا بذلك فقال لهم: انطلقوا واجعلوا فيها حصنا واجعلوا حوله ألف قصر، عند كل قصر ألف علم حتى أجعل في كل قصر وزيرا من وزرائي. فرجعوا فعملوا تلك القصور والأعلام والحصون، ثم أتوه فأخبروه بفراغ ذلك، فأمر الوزراء أن يتهيأوا بالنقلة إليها، وأمر جنده ونساءه وخدمه أن يتجهزوا، فأقاموا في جهازهم عشر سنين.