78.14
قال مجاهد ومقاتل وقتادة والكلبي: ((المعصرات الرياح؛ لأنها تعصر السحاب حتى تخرج منه المطر)). قال الأزهري: ((هي الرياح ذوات الأعاصير))، و(من) معناها الباء كأنه قال: بالمعصرات؛ ولأن الرياح تستدر المطر، وقال أبو العالية والربيع والضحاك: ((المعصرات السحاب التي ينجلب منها المطر، كالمرأة المعصورة وهي التي دنا حيضها))، قال الشاعر:
جارية بإبرقين دارها
قد أعصرت أو قد دنا إعصارها
يسقط من غلمتها إزارها
تمشي الهوينا ساقطا خمارها
وقال يزيد بن أسلم: ((المعصرات: السماوات))، وقال ابن كيسان: ((المغيبات)).
والماء الثجاج: هو السيال الصباب، والثج: الصب، كما روي في الحديث:
" أفضل الحج العج والثج "
أراد بالعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: إراقة الدم. وقال مجاهد: ((ثجاجا أي مدرارا)) وقال قتادة: ((متتابعا يتلو بعضه)).
78.15-16
قوله تعالى: ﴿ لنخرج به حبا ونباتا ﴾؛ أي لنخرج بالمطر حبا يأكلونه ونباتا ترعاه أنعامكم. ﴿ وجنات ألفافا ﴾؛ أي بساتين ملتفة الأشجار، واحدها لف بالكسر، وجمعه لف بالضم، وجمع الجمع ألفاف.
78.17-18
قوله تعالى: ﴿ إن يوم الفصل كان ميقاتا ﴾؛ معناه: إن يوم الفصل بين الخلائق وهو يوم القيامة كان ميقاتا للأولين والآخرين أن يجتمعوا فيه، وميقاتا لما وعد الله من الثواب والعقاب.
ثم بين متى يكون ذلك فقال تعالى: ﴿ يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا ﴾ يعني نفخة البعث فيأتي كل أناس بإمامهم فوجا بعد فوج، وزمرا بعد زمر من كل مكان للحساب. والصور: قرن ينفخ فيه إسرافيل.
وعن معاذ بن جبل قال:
" قلت: يا رسول الله؛ أرأيت قوله تعالى: ﴿ يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا ﴾؟ قال: " يا معاذ سألت عن عظيم من الأمر " ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " يا معاذ يحشر الناس عشرة أصناف من أمتي أشتاتا قد بدل الله صورهم وغيرهم من جماعة المسلمين، فبعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون على رؤوسهم وأرجلهم فوق وجوههم يسحبون، وبعضهم عمي يترددون، وبعضهم صم بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلاة على صدورهم، يسيل القيح من أفواههم لعابا يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، وبعضهم أشد نتنا من الجيف، وبعضهم يلبسون جبابا من قطران لازقة بجلودهم.
فالذين هم على صورة القردة النمامون، والذين هم على صورة الخنازير الأكالون السحت، والذين هم منكسون على رؤوسهم أكلة الربا، والعميان الجائرون في الحكم، والصم البكم هم الذين يعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ألسنتهم العلماء الوعاظ الذين خالف قولهم أعمالهم، والمقطعة أيديهم وأرجلهم الذين يؤذون الجيران، والمصلبون على جذوع النار السعاة إلى السلطان، والذين هم أشد نتنا من الجيف هم الذين يتنعمون باللذات والشهوات، ومنعوا حق الله من أموالهم، والذين يلبسون الجباب هم أهل الكبر والفجور والخيلاء " ".