الأعاجم هم الذين تغلبوا على الحضارة العربية بالقوة الوحشية حتى هدموها، وأنه
لا يمكن أن يعود للمسلمين مجدهم وحضارتهم وعلمهم وحكمتهم إلا برجوعهم إلى
هداية دينهم.
فسقط بهذا كل ما قاله رينان وعلم به خطأ استنتاج الأستاذ الشيخ مصطفى عبد
الرازق مما فهمه من كلام السيد أنه تطور بعد زيارته لباريس في أواخر سنة
1883 وتغير رأيه في الإسلام فصار يعتقد أنه مناف للعلم والحضارة.
***
الرد على رينان
بعد هذا نلخص ما أورده الشيخ مصطفى من طعن رينان في الإسلام نفسه
ونبين بطلانه بغاية الإيجاز، من غير خروج عن الموضوع ولا استطراد فنقول:
(1) (بدأ رينان محاضرته بالنظر فيما عليه المسلمون في هذا العصر من
الانحطاط في العلم والمدنية وملاحظة اتصال ذلك بالدين) كما قال صاحب
المحاضرة، ثم نقل عنه أنه زعم أن هذه الدول الإسلامية المنحطة في هذا العصر
لا تستقي معارفها وآدابها من غير الدين، وأن الذين زاروا الشرق استرعى نظرهم
ما يجعل المؤمن الصادق الإيمان لا ينجو من ضيق العقل، وأن الطفل الذكي النبيه
إذا لقن دينه في سن العاشرة أو الثانية عشرة انقلب متعصبا يملؤه زهو طائش بما
يزعم أنه الحقيقة المطلقة.
والجواب عن هذا أننا لا ننكر أنه يغلب على المسلمين الجهل وضيق العقل
في هذا العصر، وإنما ننكر أن سبب هذا ما لقنوه من أصول دينهم وآدابه، بل
سببه الحق عدم تلقين عامتهم إياه ولا تربيتهم على ذلك وحمل طلاب العلم منهم على
التقليد الذي أجمع أئمة دينهم على أنه ينافي العلم، وعبروا عنه بالجهل، واختلفوا
في إيمان المقلد فبعضهم قال: إنه لا يعتد به، وهم أكثر المتقدمين، وقال بعض
آخر: إنه يصح إذا اتفق أنه لقن الحق وجزم به، واحتج من لا يقول بصحة إيمان
المقلد ولا يعتد بدينه بما شنع القرآن على التقليد والمقلدين وجعل التقليد منافيا للعلم
والعقل بمثل قوله:
{وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو
كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} (البقرة: 170) .
{وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه
آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون} (المائدة: 104) .
دع الآيات الكثيرة الناطقة بالمطالبة بالبرهان وبالعلم وبعدم الاعتداد بالظن في
الحق.
وسواء كان إيمان المقلد صحيحا أو غير صحيح، فإن الجاهلين من رؤساء
المسلمين لم يجنوا عليهم جناية أضر عليهم في دينهم ودنياهم من نسخ ما شرعه الله
وفرضه من العلم بالبرهان، واستبدالهم إياه التقليد الأعمى الذي ألزمهم قبول كل
قول ينتسب صاحبه إلى المذهب الذي ينتمي إليه قوم الناشئ أو عشيرته؛ إذ أدى
ذلك إلى أخذ السواد الأعظم من المسلمين وهم الأميون بالرغم من بعثة رسولهم
لإبطال الأمية بقول آبائهم وأمهاتهم وما هم عليه من الجهل والخرافات بل غلب عليهم
التقليد في علوم الدنيا وفنونها وصنائعها حتى صاروا عالة على غيرهم في كل شيء.
إن فلسفة رينان، وعلمه النزر بالتاريخ وتعاليم الأديان، وجهله المطلق
بالقرآن، تحول دون فهمه لهذه الحقيقة - حتى بعد تنبيه السيد جمال الدين إياه لها -
كما فهمها غوستاف لوبون وسديو من علماء قومه وكثير من علماء الشعوب الغربية
الأخرى.
(2) شتمه للمسلمين ونبزهم بألقاب الزهو والطيش والحمق والغرور
والتعصب لاعتقادهم أن دينهم هو (الحقيقة المطلقة) (قال) : هذا الغرور الأحمق
هو أكبر عيوب المسلم وما يلوح من بساطة دينه يلهمه احتقارا لسائر الأديان غير
وجيه.
وجوابنا عن هذا: هل جهل الفيلسوف أن كل ذي دين يعتقد أن دينه هو
الحقيقة؟ أم بلغ من عقله وفلسفته أن يظن أن المؤمنين بالأديان ينظرون إليها
بالعين التي ينظره بها أمثاله من المعطلة فيرون أنها كالعادات القومية تحترم كلها
مجاملة، ويستهجن منها كلها ما يستهجن فلسفة؟ وإذن يجب أن يكون الناس كلهم