يخفى عليك أن مثل هذه الروايات التي سقناها في الباب من طريق أولئك الجماعة
من الصحابة مما لا يشك منصف أنها صالحة بمجموعها للاحتجاج، وقد وقع الإجماع
على أنه لا يقع الطلاق الناجز على الأجنبية، وأما التعليق نحو أن يقول: إن
تزوجت فلانة فهي طالق: فذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أنه لا
يقع، وحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والمؤيد بالله في أحد قوليه أنه يصح التعليق
مطلقا، وذهب مالك في المشهور عنه وربيعة والثوري والليث والأوزاعي وابن أبي
ليلى إلى التفصيل وهو أنه إن جاء بحاصر نحو أن يقول: كل امرأة أتزوجها من بني
فلان أو بلد كذا فهي طالق - صح الطلاق ووقع، وإن عمم لم يقع شيء. وهذا
التفصيل لا وجه له إلا مجرد الاستحسان كما أنه لا وجه للقول بإطلاق الصحة.
والحق أنه لا يصح الطلاق قبل النكاح مطلقا للأحاديث المذكورة في الباب. وكذا
العتق قبل الملك، والنذر بغير الملك اه.
فتبين بهذا أن جمهور علماء الصحابة وغيرهم من السلف على القول بأن
الطلاق لا يقع تنجيزا ولا تعليقا إلا على زوجة يملك المطلق عصمتها ويختار أن
يحل هذه العصمة لترجيحه الفراق عليها، ولو لم يكن للجمهور ما ذكروه من
الأحاديث التي يحتجون بمجموعها ويحتج بعض الأئمة بما دونها مما لا يعارضه
أقوى منه - لكفى أن يأخذ بها السائل المتحير وأمثاله ولا سيما إذا علم أن سبب فشو
القول بإيقاع الطلاق المعلق في مثل النازلة المسئول عنها هو ما جرى عليه الخلفاء
في أيمان البيعة لهم فقد كانوا لا يولون القضاء والإفتاء لمن لا يجيز تلك الأيمان
وإذا كان أقل علماء السلف من قال بوقوع الطلاق المعلق قبل الزواج في غير
اليمين، وأنه ضعيف لا وجه له من النقل ولا من القياس كما قال الشوكاني -
فالخلاف في وقوع ذلك في اليمين أقوى والقول بالوقوع فيه أضعف.
ذلك بأن الذي يحلف بالطلاق على فعل شيء أو تركه تنجيزا أو تعليقا لا
يقصد بحلفه إلا الامتناع مما حلف عليه كما إذا حلف بالله تعالى أو علق بالكفر أو
البراءة من دين الإسلام وهو لا يقصد أنه إن فعل ذلك يرتد عن الإسلام فيكون معطلا
أو وثنيا أو يهوديا مثلا، وإنما يقصد تأكيد الامتناع عن ذلك الشيء الذي حلف عليه.
فإن فعل ما علقه بالكفر - وهو يكره الكفر ولا يريده - لا يكفر، ومثله الحلف
بالطلاق من غير فارق.
وقد فرض الله للمؤمنين تحلة أيمانهم بالكفارة فقال: {قد فرض الله لكم
تحلة أيمانكم} (التحريم: 2) وقال: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن
يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين} (المائدة: 89) الآية.
وقد أطلق اليمين فدخل فيه كل ما يحلف به الإنسان مما يصح به الحلف، وأما ما لا
يصح به الحلف شرعا كالحلف بالمخلوقات فلا ينعقد ولا يجب به شيء. وقد روى
أحمد ومسلم والترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعا: (من حلف على يمين فرأى
غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه) .
وللعلماء المجتهدين في أيمان الطلاق والعتق والنذر والكفر ثلاثة أقوال:
(أحدها) أنه إذا حدث لزمه ما حلف به. وهذا الذي غلب واشتهر عند
المقلدين بسبب حكم الحكام به إرضاء للخلفاء في أيمان البيعة.
(ثانيها) لا يلزمه شيء؛ لأنه لم يقصد الإيقاع، وإنما قصد الامتناع،
واليمين صورية لا حقيقية.
(ثالثها) أنه يجب عليه كفارة يمين؛ لأنه يدخل في عموم الأيمان الواردة في
إطلاق القرآن، وهذا أرجح الأقوال دليلا، وأقومها قيلا، وأهداها سبيلا، لدلالة ما
تقدم من الأحاديث عليها، وأخذ جمهور السلف بها، وقد أيده شيخ الإسلام ابن
تيمية وتلميذه المحقق ابن القيم بتفصيل بينا فيه دلائله واختلاف الأقوال فيه عن
السلف وفي المذاهب الأربعة وبيان أنه مقتضى القياس الصحيح، ولابن
تيمية فيه مصنفات مخصوصة وفتاوى متعددة وقواعد ممهدة وفي أول المجلد