تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانوا يتحاكمون إليه حيث لا حكم للدولة العثمانية في داخلية البلاد فيحكم بينهم

بالشرع على مذهب الإمام الشافعي الذي ينتمي إليه أكثر الناس هنالك، فارتابت فيه

الدولة العثمانية، فكان رجالها يكيدون له، ويذيعون عنه أنه يغش الناس بالدخل

والتلبيس وإظهار الكرامات المصنوعة، كزعمهم أنه يظهر للناس في بعض الليالي

أنوارا كهربائية من أدوات يخفيها عنهم فيوهمهم أنها تفيض من صدره على وجهه،

وأمثال ذلك. والمعروف عنه أنه لم يكن يخطر بباله أن يخرج الدولة من البلاد

ليؤسس له ملكا فيها، بل كان يريد مساعدتها على إدارتها وإصلاح شؤونها بنفوذه

الديني بشرط أن تكون أحكامها فيها شرعية محضة، وأن يلتزم حكامها

الإداريون والقضائيون شعائر الدين، لا كذلك الباشا الذي أرسلوه إليه ليفاوضه

فذهب مخاصرا لامرأة إفرنجية بملابسها المعتادة، ومعها كلب لها فدخلت المسجد

مع الباشا وتبعها الكلب.

وقد أرسل الاتحاديون إليه بعد إعلان الدستور الشيخ توفيق خوجه العالم

السائح المشهور ليكشف لهم حقيقته، وكان يعرف شخصه إذ كانا مجاورين في

الأزهر، فكتب إليهم بما وقف عليه من حسن نيته وكذب الطاعنين فيه، وأخبروني

بذلك في نادي نور عثمانية بالآستانة فذكرته للصدر الأعظم حسين حلمي باشا فرمى

الشيخ توفيقا بالبلاهة والغفلة، ولكن التهمة إغراء، وفي الحكم النبوية: (إن

الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم) رواه أبو داود والحاكم عن أربعة من

الصحابة رضي الله عنهم.

وقف الرجل على كيد رجال الدولة له فأخذ حذره وأجمع أمره على المقاومة،

وانتهى ذلك بالحرب، فقتل في معركة واحدة من عسكر الدولة بعدد جميع رجاله،

وعجزت الدولة مع إمام اليمن وشريف مكة عن القضاء عليه، بل كان ذلك هو

السبب لرسوخ قدمه وتوطيد سلطانه.

وقد أنكر المسلمون عليه في كل قطر مصافاته للحكومة الإيطالية في أثناء

حربها لطرابلس واستمداد للسلاح والمال منها. وكان بعض العقلاء يجيب هؤلاء

المنكرين بأنه لا حرج على من يأخذ من الأجنبي. وإنما الحرج على من يعطيه،

وهو لم يعط أحدا شيئا ولم يساعد إيطالية على أهل طرابلس ولا على الترك بشيء.

ثم أنكروا عليه موالاته للدولة البريطانية في أثناء الحرب الكبرى وأخذه منها

السلاح والمال، ولذلك كافأته بإعطائه ثغر الحديدة، وأجاب عنه المحبون له بأن

اتفاقه مع الإنجليز لم يكن إلا كاتفاقه مع الطليان من قبل، وهو أن يأخذ ولا يعطي،

فلم يرض أن يقاتل الترك وإنما التزم للإنجليز أن لا يساعدهم أيضا، وقيل: إنه

كان يسمح للأهالي بإمدادهم بالقوت؛ وأن الإنجليز عاتبوه على ذلك فأجاب بأنه لم

يساعدهم بنفسه، ولم يدخل في مواد الاتفاق أن يمنع الأهالي من الاتجار معهم،

ولكن يقال: إن في اتفاقه معهم الاعتراف لهم بحماية سواحله.

وقد نقل إلينا عنه أنه قال: إنه لا يستحل أن يبدأ أحدا من المسلمين بقتال،

وإنما يقاتل من يقاتله، فحكم الأقوام والشعوب عنده كحكم الأفراد، فاعتداء بعضها

على بعض كاعتداء الصائل إذا لم يمكن دفعه إلا بالقتل أبيح قتله كما هو مقرر في

الفقه.

ولكن لا ندري أكان يلتزم الدفاع في حربه لإمام اليمن ويقف فيه عند حد

الضرورة؟ كيف وقد روي أنه استولى على عدة مواقع من مملكة الإمام؟ وأنه كان

يطمع في أخذ سائر البلاد التي يقطنها الشافعية. ولو كان يعتقد صحة إمامة الإمام

يحيى أو السلطان التركي لما كان لاجتهاده هذا وجه شرعي؛ لأن الإمام الحق هو

صاحب السلطان فلا يعد إخضاعه البلاد صيالا.

كانت الروايات التي تصل إلينا في التنازع والتقاتل بينه وبين الإمام متعارضة

وقد سعينا للتأليف والاتفاق بينهما قبل الحرب العامة وبعدها، وكنا نرجو أن نبلغ

هذه الغاية بالرغم من أولي الدسائس بينهما الذين كانوا يمنون كلا منهما بمساعدته

على الآخر إذا هو واتاهما، ولكن الله توفاه إليه قبل ذلك، وقد بايع زعماء البلاد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٩٠