قال: أنا رجل من السياحين فكرت فيما عمل الصديقون قبلي فلم أجد لنفسي فيه
حظا، فتعلقت بموعظتك لعلي ألحقهم. فأمر بضرب عنقه.
فهكذا كان المسلمون في الأيام الأولى يتقربون إلى مولاهم بتعرضهم للملوك
والسلاطين وتخشينهم لهم في القول وتقديم مهجهم للهلاك، ولقد ظلوا على هذه
الوتيرة بعد، ولا يزال يوجد فيهم الربانيون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
حتى يأتي أمر الله كما ورد في الخبر: (لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على
الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون) .
الفتنة التتارية والفتنة الغربية:
فلا تفتنهم الفتنة الحديثة الغربية، ولا تستطيع ردعهم عن عملهم الحق؛ إذ
هي ليست بجديدة لهم، فلقد دهموا قبلها بالفتنة التتارية، وزلزلوا بها زلزالا شديدا،
فكما نرى الدول الأوربية ولا سيما إنجلترة قد دمرت البلاد الإسلامية ومزقت
شمل الخلافة العثمانية، وقضت على حرية الممالك الشرقية، وأباحت سفك دماء
المسلمين أنهارا في السهول الأناضولية، كذلك كانت الفتنة التتارية، والتتار لم
يكونوا أناسي بل سباعا ووحوشا، انهالوا على البلاد الإسلامية كالسيل الجارف،
ووضعوا السيف في رقاب المسلمين، ودمروا الخلافة العباسية ودخلوا بغداد فجاسوا
خلال الديار. ولكن هل قدرت سيوف (هولاكو ومنكو وأباقا آن) السفاكين أن تقهر
العلماء الربانيين وتسكتهم عن الحق؟ كلا فهذا شاعر إيران الشهير السعدي
الشيرازي قد قال لهولاكو خان وجها لوجه: (إنك ظالم!) ودعا شمس الدين
التتاري على منكو خان وهو يسمع ويرى، ولعن شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
أباقا آن في حضرته وعلى ملأ من جنوده. نعم كانت في أيدي التتار السيوف البتارة
تطير الهامات في طرفة عين، ولكن لم يكن في (الثورة الجنكيزية) قانون 124
الذي امتازت به الدولة البريطانية المدنية في بلاد الهند!
الحجاج وريدنغ:
فإذا كنا نحن المسلمين نعامل حكومتنا الإسلامية هذه المعاملة، فماذا يرجوه
منا عمال هذه الحكومة الأجنبية؟ وهل تكون الحكومة الإنجليزية الهندية (القانونية)
أكرم علينا من الحكومات الإسلامية التي طاعتها واجبة علينا (شرعا ودينا) ؟
وهل دولة الملك جورج الخامس ونيابة اللورد ريدنغ أعز علينا من خلافة عبد الملك
ابن مروان ونيابة الحجاج بن يوسف الثقفي؟ ولو غضضنا الطرف عن الفرق
الشرعي العظيم بين الحكومة الأجنبية غير الإسلامية والحكومة الوطنية الإسلامية،
وأنزلناهما منزلة واحدة، أفلا نقول في حكومات (جيسفورد) و (ريدنغ) ما قلناه
في حكومات الحجاج وخالد القسري من قبل؟ قد قلنا يومئذ: اتق الله، فقد ملأت
الأرض ظلما وجورا! وهذا هو الذي نقوله اليوم، ولا نزال نقوله حتى يزول
الاستبداد أو نزول نحن!
والحقيقة أن ما نعمله الآن في الهند من ترك التعاون ومقاطعة الحكومة، إنما
كنا أمرنا به في مقابلة ظلم الولاة من المسلمين، لا في مقابلة الأجانب. ولو فهم
أساطين بريطانيا ودهاتها هذه الحقيقة لاعترفوا بأن مساهلة المسلمين ومداراتهم قد
بلغت منتهاها، وأنه لا ينبغي أن ينتظر منهم أكثر من هذا؛ إذ ليس وراءه إلا
الارتداد عن الإسلام أو النفاق فيه، ولا يمكنهم أن يفعلوا ذلك حبا في سواد عيون
البريطانيين (أو زرقتها) .
(للخطاب بقية)
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) رواه البخاري.
(2) من سورة البقرة.
(3) أراد معاوية بن أبي سفيان أن يجعل ابنه يزيد خليفة بعده وأخذ يكره الناس على مبايعته فقام عبد الرحمن بن أبي بكر فرد عليه قائلا: (أهرقلية؟ إذا مات كسرى قام كسرى مكانه، والله لا نفعل أبدا) .
(4) المنار: ليس هذا من قبيل الحصر بل ما اتفق من الروايات التي تنقل للأسوة والقدوة، وإلا فالمنكرون للمنكر لم يكن حصرهم ممكنا.</span></span>
الكاتب: حسني عبد الهادي