ما ليس منها، بل ما هو مضاد لها، كدعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم فجعل
مدارها على منعتهم في أقوامهم وقوة عصبية عشائرهم معتمدا على حديث معارض
بآيات القرآن الكثيرة وبوقائع تواريخهم الصحيحة، وبنى على ذلك إلحاق الخلافة
بالنبوة بما لبس عليه من ذلك، وإنما النبوة وخلافة النبوة هادمتان لسلطان العصبية
القومية ومقررتان لقاعدة الحق واتباعه بوازع النفس والإذعان لشريعة الرب.
وهذا قصص الرسل في القرآن الكريم ناقضة لبنيان قاعدته، وفي بعضها التصريح
بعدم القوة والمنعة، كقوله تعالى حكاية عن لوط عليه السلام: {قال لو أن لي بكم
قوة أو آوي إلى ركن شديد} (هود: 80) أم أيهم قامت دعوته بعصبية قومه،
إبراهيم الخليل، أم موسى الكليم، أم عيسى الروح الكريم، أم خاتم النبيين، عليه
وعليهم الصلاة والتسليم؟ ألم تكن جل مزايا بني هاشم في قريش الفضائل الأدبية دون
الحربية، ألم يكن جل اضطهاده وصده عن تبليغ دعوة ربه من رؤساء قريش، ألم
يكونوا هم الذين ألجأوه إلى الهجرة؟ وهم الذين نزل الله فيهم: {وإذ يمكر بك
الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} (الأنفال: 30) الآية، حتى هاجر
مستخفيا. وسمى الله هجرته إخراجا - أي نفيا وإبعادا - بمثل قوله: {يخرجون
الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم} (الممتحنة: 1) حتى نصره الله تعالى
بضعفاء المهاجرين والأنصار. وما آمن أكثر قريش إلا بعد أن أظهره الله عليهم
وخذلهم في حروبهم له.
نعم إن بعض كلام ابن خلدون في حكمة جعل الخلافة في قريش صحيح،
وهو مكانتهم العليا في الجاهلية والإسلام التي لم ينازعهم فيها أحد من العرب، وأولى
أن لا ينازعهم فيها من يدين بالإسلام من العجم، وذلك من أسباب جمع الكلمة،
وقد أشار إلى ذلك الصديق رضي الله تعالى عنه في احتجاجه على الأنصار،
وأما عصبية القوة الحربية فلم تكن علة ولا جزء علة لجعل الخلافة في قريش؛
لأن الإسلام قد قضى على هذه العصبية الجاهلية - يعترف ابن خلدون كغيره بذلك -
فلا يمكن أن يجعلها علة من علل شرعه القويم، الذي مداره على جعل القوة
تابعة للحق، خلافا لسائر المبطلين من البشر الذين يجعلون القوة فوق الحق، فإما
أن يكون تابعا لها وإما أن تقضي عليه قبل أن يقضي عليها.
وبهذا البيان الوجيز يعلم سائر ما في كلام ابن خلدون من شوب الباطل بتحكيم
قاعدته في تصحيح عمل معاوية حتى في استخلاف يزيد وجعله مجتهدا مخطئا في
قتال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ومصيبا في استخلاف يزيد الذي أنكره عليه
أكبر علماء الصحابة فنفذه بالخداع والقوة والرشوة. فهو يزعم أن معاوية كان عالما
بقاعدته في أن الأمور العامة لا تتم إلا بشوكة العصبية، وبأن عصبية العرب كلهم
قد انحصرت في قومه بني أمية، وأن جعل الخلافة شورى في أهل الحل والعقد من
أهل العلم والعدالة والكفاية من وجهاء قريش غير بني أمية - لم يعد ممكنا، وكل هذا
باطل، وفي كلام ابن خلدون شواهد على بطلانه، وليس من مقصدنا إطالة القول
في بيان ذلك هنا.
وحسبنا أن نقول: إن عصبية العرب لم تنحصر في بني أمية لا بقوتها
الحربية ولا بثقة الأمة بعدلهم وكفاءتهم، وإنما افترصوا حياء عثمان وضعفه فنزوا
على مناصب الإمارة والحكم في الأمصار الإسلامية التي هي قوة الدولة ومددها.
واصطنعوا من محبي الدنيا من سائر بطون قريش وغيرهم من يعلمون أنهم
يواتونهم، وأكثر هؤلاء ممن لم يعرفوا من الإسلام إلا بعض الظواهر، وهم مع
الحكام أتباع كل ناعق، فتوسلوا بهم إلى سن سنة الجاهلية والقضاء بها على خلافة
النبوة الشرعية [8] .
ولو شاء معاوية أن يجعلها شورى كما نصح له بعض كبراء الصحابة رضي
الله عنهم ويجعل قومه وغيرهم مؤيدين لمن ينتخب انتخابا شرعيا باختيار أهل
الشورى - لفعل. وما منعه إلا حب الدنيا وفتنة الملك، ولكن عمر بن عبد العزيز