كلام أئمتهم في بطلانه، واشترطوا فيه العجز عن معرفة الدليل ولو في بعض المسائل
دون بعض، واختلف هؤلاء في التزام مذهب معين، ورجح ابن برهان والنووي عدم
الالتزام، واحتجوا بما كان عليه عوام السلف من الصحابة والتابعين. وقال التاج
السبكي في أواخر كتابه (جمع الجوامع) في الأصول الذي هو عمدة الأزهر وسائر
المعاهد الدينية بمصر: وإن الشافعي ومالكا وأبا حنيفة وأحمد والأوزاعي وإسحاق
وداود وسائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم.
وليعلم من يسيء الظن ومن يحسنه من أهل بلادكم أن المنار منار الإسلام لا
منار مذهب معين من المذاهب المتبعة، وأنه يحترم ويعظم جميع الأئمة ويخدم
الإسلام بنحو ما كانوا يخدمونه به، وهو بيان كتاب الله وسنة رسوله وسيرة سلفه
الصالح مع الدعوة إلى الاهتداء بذلك في هذا العصر في أمري الدين والدنيا، ومن
ذلك ذكر كل حكم بدليله. ويعتمد في الاستدلال على أشهر كتب التفسير والسنة
وشروحها المعتبرة، ويتحري بذلك إفادة جميع المسلمين وجمع كلمتهم، وإزالة ما
شجر من الخلاف والشقاق بينهم، ويرى أن اتباعهم لأولئك الأئمة يساعد على ذلك
دون اتباع كثير من المقلديد المتأخرين المفرقين.
وليعلم هؤلاء أيضا أن كثيرا من هذه الكتب المنتشرة المنسوبة إلى أناس
يصفون أنفسهم بالشافعي والحنفي إلخ، محشوة بالخرافات والأحاديث الموضوعة
والأقوال المخالفة لأحوال الأئمة ونصوصهم، ونحن - بحمد الله وتوفيقه - قد اتبعنا
الأئمة كلهم بالتزام ذكر الأحكام بأدلتها من غير تعصب لأحد من العلماء في المسائل
الخلافية، وإننا ننصح لكل أحد بأن يحتاط لنفسه في العمل، ومنه أن يجتنب ما
اختلف العلماء الذين يعتد بعلمهم في تحريمه، وإن لم يعتقد رجحان التحريم، وأما
إذا اعتقده بقوة دليله عنده أو بالثقة بقول إمامه فيتعين عليه تركه، ولكن ليس للمقلد
أن يعترض على من اتبع الدليل؛ لأنه ليس من أهله، ولا على من قلد غير إمامه
وغير الأربعة كالزيدي مثلا لأنه مثلهم. ولا ينبغي للمسلمين أن يتعادوا بسبب هذه
الخلافات، فقد أضاع ذلك عليهم دينهم ودنياهم كما بيناه مرارا، ولقد صدق حجة
الإسلام الغزالي في جعله ترك المسلمين لجميع المسائل الخلافية الاجتهادية دون
ضرر الاختلاف والتفرق في الدين، وقوله: إنهم لو عملوا بما أجمع عليه
المسلمون وحده لكان كافيا في نجاتهم في الآخرة، كما بينه في كتابه القسطاس
المستقيم، ونقلناه في (محاورات المصلح والمقلد) فليراجعه من أراد، والله يهدي
من يشاء إلى صراط مستقيم.
(تنبيه) جاءنا سؤال - بل أسئلة - من بيروت عن استعمال الذهب والفضة
لعل السائل يستغني بما يراه في هذا الجزء عن نشرها والجواب عنها، فإن بقي عنده
إشكال بعد قراءة ما هنا فليسأل عنه وحده.
والمرجو من كل من يسأل عن أشياء عديدة أن يميز بعضها من بعض،
ويجعلها معدودة بالأرقام.
-----------------
<span class="footnote">
(1) راجع ص 181 - 208 ج 5 تفسير وص 213 - 417 منه.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">