تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أدعو لها وأقول: دومي ولا تصلحي.

لماذا أعتقد هذا؟

لماذا أعتقده أنا وملايين من أبناء وطني وإخوان ديني؟ الجواب أصبح الآن

واضحا جليا حتى يصح أن يعبر عنه بقول الشاعر الإنجليزي (ملتون) : إنه بعد

الشمس أوضح شيء وأجلى محسوس. على أني أصرح ههنا بأني أعتقد ذلك لأني

هندي ولأني مسلم ولأني إنسان.

الحكم الشخصي ظلم بالذات:

إني أعتقد أن الحرية حق طبيعي لكل إنسان ولكل أمة {فطرة الله التي

فطر الناس عليها} (الروم: 30) وليس لشخص أو حكومة أن تستعبد عباد الله

وتتخذهم خولا. وسم الاستعباد والرق بأي اسم شئت، غير أنه على كل حال

استعباد ورق، ومشيئة الله وناموسه يمقته وينفيه، وإني لأجله لا أعترف بالحكومة

الهندية، بل أعدها حكومة غير شرعية؛ لأنها مستبدة طاغية استعبدت البلاد

وقهرت العباد داست الشرائع وخانت المواثيق! ليسخطها الشعب ويمجها الحق،

فهي معدومة في نظر الأمة، وإن كانت موجودة بقوة السلاح، وأرى واجباتي الدينية

والوطنية والإنسانية تطالبني بأن أحرر بني جلدتي من رقها وعبوديتها الشائنة.

ولا يقاطع كلامي (بالإصلاحات الإدارية) و (الترقي التدريجي) كلمات

خطتها الحكومة وزخرفتها لتخادع به البله والحمقى. أما أنا فلا أخدع بها؛ إذ

الحرية في اعتقادي حق طبيعي للإنسان، وليس لأحد أن يحدد ويقسم في تأدية

الحقوق، وإن مثل الذي يقول: إن أمة تنال حريتها تدريجيا، كمثل الذي يقول

للدائن: يرد إليك الدين قسطا قسطا، نعم إن لم يستطع أخذه دفعة واحدة يضطر إلى

قبوله بالأقساط، ولكن لا يسقط به حق الأخذ مرة واحدة.

(الإصلاحات) وما هي (الإصلاحات؟) إن هي إلا كما قال الفليسوف

الروسي تولستوي:

(إن أبيح للمسجونين انتخاب سجانهم بالأصوات، فإنهم لا يصيرون أحرارا)

الحكومة الحاضرة حسنة أو قبيحة؟ سؤال ثانوي، أما السؤال الأساسي فهو:

هل وجودها حق وشرعي؟ فإني أعتقد أن مثل هذه الحكومة الأجنبية المتسلطة

باعتبار أصل خلقتها غير شرعية؛ لأن نفس وجودها ظلم وشر، فهي لو لم ترتكب

جميع تلك الفظائع التي ارتكبتها بهذه الكثرة لكانت في اعتقادي ظالمة وجائرة،

ويكفي لقبحها وشناعتها أنها موجودة! نعم نعترف بحسناتها إن كانت لها حسنات،

ولكن يظل وجودها على كل حال ظلما غير شرعي. ومثاله أن لو تسلط أحد على

بيتنا وأدارها إدارة حسنة وعمل أعمالا صالحة، فإنه بهذه الحسنات لا يصير تسلطه

حقا شرعيا.

إن الشر يصح أن ينعت ويقسم بالكم والكيف، فنقول: (كم هو؟ وكيف

هو؟) ولكن لا يصح نعته وتقسيمه بالحسن والقبيح فلا تقول (أحسن هو أم قبيح؟)

نعم يقال: (سرقة قبيحة) و (سرقة أقبح) ولكن لا يقال: (سرقة حسنة)

و (سرقة قبيحة) وهكذا الاستبداد؛ فإني لا أستطيع أن أتصوره حسنا وشرعيا في

حال من الأحوال؛ لأنه بذاته ووجوده قبيح وشر وغير شرعي. نعم ربما يوجد نوع

من الاستبداد أخف وطأة وأقل ظلما وأكثر لينا من غيره، ولكن الاستبداد الذي دهم

الهند لم يقف عند حد قبحه الخلقي، بل ما زال يكتسب السيئات فوق السيئات

والمنكرات تلو المنكرات (ظلمات بعضها فوق بعض) فإذن كيف لا يعلن ظلمه

ولا يشهر قبحه ولا يشدد النكير عليه؟

للكلام بقية

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) إن المادة 124 هذه مثل المادة 151 من القوانين المصرية الخاصة بالذين يحرضون على كراهية الحكومة بأي واسطة من وسائط النشر أو الصور أو الكلام أو الخطابة إلخ (المترجم) .</span></span>

الكاتب: شكيب أرسلان

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٣٦