تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للصنفين معا: الأبرار والأشرار، حتى إنه كان لائقا بهذا الوجود العظيم.

حمدا وشكرا:

وإني إذ أتدبر التاريخ العظيم لهذا الموقف وأراني قد شرفت بالوقوف فيه

يسبح روحي بحمد الله ويلهج لساني بشكره من غير قصد مني، وهو وحده يعلم ما

أجده من الجذل والابتهاج؛ إذ أحسبني في هذا القفص محسودا للملوك والسلاطين

العظام، فأين لهم في قصورهم المريحة تلك المسرة والراحة التي يرقص لها قلبي

في صدري؟ ويا ليت الإنسان الغافل والعاكف على هواه يشعر بنفحة منها! وإني

أقول حقا: إنه لو أدركها الناس لتمنوا المثول في هذا المكان، ولنذروا النذور لأجله!

***

لم أخاطب المحكمة؟

إني كنت عازما على السكوت في المحكمة، ولما أحضرت فيها ورأيت

الحكومة تقدم في إثبات جريمتي الخطبتين اللتين ألقيتا في بعض مجامع (كلكتا)

وهما لا يحتويان على جميع الأمور التي ما زلت أكررها في جميع خطبي ورسائلي

ومقالاتي التي تعدو الحصر، والتي إن قدمت كانت أنفع لمقصدها - علمت أنها

عاجزة حتى عن تهيئة ذلك المستند الذي يعتبر في هذه الأيام كافيا لإنزال العقاب مع

شدة رغبتها وحرصها على سجني. فغيرت قصدي وقلت: إن العلة التي كانت

مانعة من الكلام أصبحت موجبة له فأردت أن أثبت بلساني الأمر الذي لا تستطيع

الحكومة إثباته مع علمها به وشدة رغبتها في إثباته، وإني أعلم أن قوانين المحاكم

لا توجبه علي ولا تضطرني إلى الاعتراف به من تلقاء نفسي، ولكن قانون الحقيقة

فوق هذه القوانين الوضعية، وهو الذي يسوقني إلى ما سأقوله؛ إذ ليس من الحق

أن نذر شيئا مستورا؛ لأن الخصم لا يستطيع إثباته.

الاعتراف بالجناية:

إن الاستبداد الذي ابتليت به الهند نوع من ذلك الاستبداد الذي يصيب الأمم في

طور ضعفها ووهنها وهو من طبعه يبغض الحركة الوطنية والحرية والمطالبة

بالحقوق بغضا شديدا؛ لأنه يعلم أنها إذا نجحت سقطت قوته الظالمة وانمحى وجوده

الفاحش، وما من وجود يحب سقوط نفسه وزواله مهما يكن زواله ضروريا في

عين الحق والإنصاف. فالتدافع بين الحرية والاستبداد (تنازع للبقاء) و (تزاحم في

الحياة) كل من الفريقين يجد ويكد للفوز والبقاء: الأمة تريد أن تنال حقها

المغصوب، والاستبداد يأبى عليها ولا يريد التزحزح عن مقامه، ولا تثريب عليه

لأنه - وإن كان وجوده خلافا للحق - يدافع عن نفسه وحياته، وليس لنا أن ننكر

مقتضيات الطبيعة فكما يسعى الخير لبقائه يسعى الشر أيضا، ومهما يكن ملوما في

نفسه لا يلام على رغبته في الحياة.

وقد بدأ التزاحم في الهند بين هاتين القوتين: الحرية والاستبداد - فليس ببدع

أن تكون الحرية والمطالبة بالحقوق جناية في عين الاستبداد، وأن يكون محاربو

وجوده الباطل جناة وأثمة وأهلا للعقاب الشديد. فما دام الأمر كذلك فإني أعلن على

مسمع من المحكمة والحكومة بأنني أنا قد ارتكبت هذه الجناية ارتكابا واقترفتها

اقترافا، وإن كانت الحكومة لا تعلم - وهي تعلم - فلتعلم الآن أني من أولئك الجناة

الذين بذروا بذور هذه الجناية في قلوب أمتهم ووقفوا حياتهم على سقيها وتنميتها

وتثميرها بل إني - ولا فخر - أول مسلم في الهند دعى أمته من اثنتي عشرة سنة

إلى هذه الجناية دعوة عامة وحول وجهتها في خلال ثلاث سنوات عن العبودية التي

كانت الحكومة زينتها لها إلى الحرية التي قد أشرقت شمسها الآن، ولن تنكسف أبدا.

فإن كنت آثما في زعمها فلتعاقبني بما تشاء، فها أنا ذا معترف بالجناية بصدر رحب

ولسان طلق غير جذع منها ولا نادم عليها؛ لأن هذا ما كنت أتوقعه وأعرفه من قبل.

وإني لا أنتظر من الحكومة إلا الغلظة والقسوة لأني - وإن ألفيتها تدعي العصمة

من الخطأ والزلل ولا تعترف بذنوبها - أعلم أنها ما ادعت أبدا أنها مثل المسيح في

لينه وحنانه، فإذا كيف أنتظر منها أن تقبل أعدائها وتحبهم كأصدقائها.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٣٤