تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جميعا مفرطا في كل منها، ولم يكن حريصا على المال.

كان خلقه التعفف والكرم مع الحاجة لا يميل إلى الطمع ولا الدناءة، وقد

اشتدت به الحاجة في آخر أيامه في مصر فباع معظم كتبه من أحمد باشا تيمور

وكانت نفقته من ثمنها، وكان يتصدق في كل يوم بملاليم (أعشار القرش) يعدها

لذلك، وقلما يصدر عن مجلسه وارد بفائدة علمية؛ لأنه لم يكن يذكر بين الناس

شيئا من وسائل العلم لا مفيدا ولا مناظرا ولا مذكرا ولا سائلا ولا مجيبا، وإذا سأله

مستفيد عن شيء أحاله على المراجعة وربما دله على المظان إن كان يرى أنه

يستحق ذلك، وكان يرمي إلى مقاصده من طرف خفي بدهاء.

وربما أوعز إلى بعض جلسائه ليوسط بالأمر يريده، وكان إذا استرسل

بالمباسطة أفرط فيكثر من الحركات ويغرب بالضحك حتى يخرج عن وقار الشيوخ.

وكان متصلبا في رأيه لا يرجع عنه ولو إلى الصواب، حكى لي شيخ عالم

فاضل أطال عشرة الشيخ طاهر أنهم اختلفوا في كلمة لغوية، فكان الشيخ طاهر

على رأي تبين بعد المراجعة أنه كان مخطئا ولم يرجع إلى الصواب.

(مؤلفاته)

إرشاد الألباء، مدخل الطلاب إلى فن الحساب، قصص الأنبياء، الفوائد

الجسام في معرفة خواص الأجسام، مد الراحة إلى علم المساحة، الجواهر الكلامية

في العقيدة الإسلامية، الجوهرة الوسطى، رسالة في العروض. وقد أراد أن يجعل

هذه الكتب مدرسية، وكلها طبعت في سورية ومنها ما أعيد طبعه مرات، وله مؤلفات

أخرى وهي كتاب التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن على طريقة الإتقان،

طبعه بمطبعة المنار ووقفت على طبعه وعنيت بتصحيحه بإذنه، وكتاب توجيه

النظر في الأصول طبعه له الخانجي بمصر وكتاب التعريب إلى أصول التقريب،

طبع بمصر بمطبعة النهضة بمصر وشرح خطب ابن نباتة وأمنية الألمعي، وكتاب

في التعليم الابتدائي وتفسير القرآن الحكيم، ولعل هذه الأربعة الأخيرة لم تطبع إذ

لم نرها وكان هو المحرر للمجلة السلفية التي صدرت في آخر أيام حياته بمصر

وكان يودعها نبذا من مقتطفاته العلمية ومن كناشته (مفكراته) وكانت تلك المجلة

تنوه بكناشته وقد وعدت بطبعها فيما أتذكر، وله كتاب (تقويم المجلة السلفية) وإن

لم يصدر باسمه.

(علمه وعمله)

لم يشتهر الفقيد أو عرف بعلم من العلوم ولا تصدى لتدريس شيء منها، فلم

يعلم له تلميذ عالم أخذ عنه العلم، غاية ما عرف به أنه كان ذا اطلاع على أسماء

كثير من الكتب حتى قال بعضهم: إنه نسخة من كتاب كشف الظنون أو الفهرست،

وأنه وإن لم يحص ما أحصى كتاب من هذين، ولكنه كان يعرف مواضع كثير من

الكتب وفيها كثير مما يحب نشره ويجب طبعه ولكنه كان يبخل على الوراقين

بإرشادهم إليها إذ يرى أنهم لا يستحقون ما ينالونه من الربح بطبعها، وكانت له

ميزة فنية في معرفة الخط الكوفي أرشده إليها مقابلة آي القرآن المكتوبة على بعض

المساجد والأضرحة في دمشق ومصر وكتاب معرض الخطوط للآباء اليسوعيين

وله إلمام بالحروف العبرية، وما نشر من مؤلفاته إذا دل على سعة اطلاع، فإنه لا

يدل تحرير وإبداع ولا على تفقه في العلم أو تمكن منه.

وأما عمله فإنه كان قد تولى التعليم في المدرسة الظاهرية ثم عين مفتشا

للمدارس الابتدائية العثمانية في سورية فكان فيها مثالا للنشاط والذكاء والنصيحة.

ومن عمله أنه سعى لدى مدحت باشا الوزير العثماني الإداري الشهير عندما

كان واليا على سورية بإصدار أمره بجمع الكتب العلمية المخطوطة المبعثرة في

المدارس العلمية والمساجد بدمشق، فكانت مكتبة مفيدة، وجمع من البيوت ما أمكن

جمعه وجمل في قبة ضريح الملك الظاهر وجعل لها قوام وخدمة ونظام مخصوص،

وفي أيام عبد الرؤوف باشا والي سورية استحصل على طائفة من الكتب كانت في

دور الناس من أعيان دمشق أرجعها إلى المكتبة الظاهرية، ثم جعل مفتشا على دور

الكتب في سورية وفلسطين فقام بذلك أحسن قيام.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٨٧