(تعلم كثيرا من الخطوط الكوفي والمشجر والعبراني وغيرهم ليتسنى له دراسة
الآثار الدارسة ونبشها من عالم الدثور إلى عالم الظهور) .
رابعا: لم يذكر ما كان من عمل الفقيد في التوفيق بين العلم والدين إلخ، غير
أنه كان من علماء كذا وكذا وما لم يدع الشيخ طاهر لنفسه شيئا منه في حياته وأنه
تبادل الآراء مع المستشرقين وأنه كان بينه وبينهم صداقة إلخ، انظر ص49 و50.
وكذلك قل عن بقية المباحث، ولو أردنا نتبع الكتاب من أوله إلى آخره ما
زدنا القراء فائدة ولا المؤلف بصيرة وفيما أوردناه كفاية.
وإليك ترجمة الشيخ طاهر رحمه الله مختصرة مفيدة صحيحة كما وصفها أحد
أفاضل علماء الشام ممن له معرفة تامة بالفقيد بعد أن قرأتها عليه إذ قال لي: إنها
صورة حقيقية مختصرة للشيخ طاهر فأقول:
الشيخ طاهر الجزائري الدمشقي
حياته وموته ونشأته العلمية
هو الشيخ طاهر ابن الشيخ محمد صالح أحد مهاجرة الجزائريين ومفتي
المالكية بدمشق الشام، ولد في دمشق سنة 1268 ونشأ في حجر والده وتلقي مبادئ
العلم عنه في بيته، ثم اتصل بالشيخ عبد الغني الميداني فحضر عليه علوم العربية
والفقه إلخ، وهو أستاذه الوحيد، وكان له شغف بالمطالعة والمراجعة حتى صار له
مشاركة حسنة في جميع العلوم العربية وعني بقراءة الخطوط العربية وخاصة
الكوفي منها وتلقى شيئا من اصطلاحات الهندسة والفلسفة عن بعض ضباط الجند
العثماني حتى لم يعد غريبا عن الهندسة النظرية، وكان ذا حافظة جيدة وذاكرة
حسنة لا يغيب عن ذهنه ما قرأه في بعض الكتب من نكتة غريبة أو نادرة، ومع
هذا لم يكن يعتمد على ذاكرته بل كان يضع في كل موضع فيه مسألة يحب الرجوع
إليها من الكتب علامة من قطع الورق حتى إنه إذا قرأ كتابا ترى نتف الورق بارزة
منه، وكثيرا ما كان يكتب رقم الصفحة واسم الكتاب على قطع من ورق تكون في
جيبه الذي هو سفطه (محفظته) وجرابه وكان حريصا على تلك النكت حتى أنه
كان يستطرد لوضعها في مؤلفاته، ولو في غير موضعها، وتوفي في دمشق يوم
14 من ربيع الآخر سنة 1338 ودفن فيها رحمه الله تعالى.
(هيئته وزيه وعيشته وأخلاقه)
كان - رحمه الله - قمحي اللون واسع العينين غائرهما نحيف الجسم أبيض
اللحية رث البزة غير معتن بنظافة ثيابه، وكان لباسه ما تسميه أعراب الشام (شبر)
ويسمى في مصر (قفطانا) وفي الشام (قنبازا أو غنبازا) فوقه جبة أو جبتان ويتعمم
بعمامة من الأغباني، وكان كثيرا ما يلبس الثوب مرة واحدة فلا يخلعه حتى يبلى ولا
يدع الشمسية (المظلة) صيفا ولا شتاء ويضع على عينيه منظارا لتقريب البعيد، فإذا
أراد القراءة في كتاب رفعها، وكانت له جيوب في جبته كالخرج.
وكان حديد المزاج ضيق العطن ضعيف المنة، تغلب عليه الوحشة ولعله كان
يحس من نفسه بذلك إذ كان يحاول أن يستر الاستياء بمزاح مع جلسائه ومباسطة،
وكان كثير الحديث عن علماء دمشق وأعيانها والإسهاب فيما كان عليه معاصروه
فيها من الخب والختل والدهان وما كان يدسه هو من الدسائس ليخلص أو يخلص
شخصا، أو ليروج مشروعا خيريا من شرهم، ولولا أنه كان يجاهر بذلك في أكثر
مجالسه ويفخر به ويعبر عنه بالدسائس الطاهرية، لما استحسنا ذكره وقد علمنا علم
اليقين أن من دسائسه ما كان للإيقاع لا للإنقاذ.
وكانت عيشته عيشة الزهاد مع الحرص على الوقت وكان يقضي عامة ليله
في المطالعة على ضوء مصباح من البترول ثم رأى أن ينتفع بنوره وحرارته معا،
فكان يأتي بقدر صغيرة فيضع فيها شيئا يريد طبخه يحكم وضعها فوق المصباح
معلقة ويقدر لنضجه ساعات يتعاهده عند انتهائها، وكان أحيانا يطبخ القهوة في
القدر ويشرب منها عدة أيام وربما تعفن وجهها من طول المكث.
وكان لا ينام في الليل بل يأتي بيته بعد العشاء ويطالع في الكتب أو يكتب عامة
ليله وينام بعد صلاة الصبح إلى العصر وكان ولوعا بالدخان والشاي والقهوة