تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.174-176

الضلالة: ضد الهدى. الباطل: الهلاك. الهدى: الرشاد. الشرائع التي أنزلها الله على لسان انبيائه. الشقاق: العداء. التنازع.

يعود الحديث هنا في الحملة على الذين يخفون الحقائق، وقد جادل اليهود كثيرا في ما أحل الله للمؤمنين، كما كتموا ما تورده كتبهم من أمر النبي ونبوته.. كل ذلك لقاء عرض من أعراض الدنيا، فما جزاؤهم؟ انهم لا يأكلون من ذلك العرض الا سببا لدخول النار، فهي التي تملأ بطونهم يوم القيامة، وسوف يعرض الله عنهم يوم القيامة ولا يطهرهم من دنس الذنوب بالمغفرة، ولهم عذاب شديد موجع. ذلك بأنهم تركوا الهدى الواضح الذي لا خلاف فيه، واتبعوا الضلال، واشتروا العذاب بالمغفرة. بذلك كانوا هم الجناة على أنفسهم، فما أصبرهم على حر جهنم! لقد جاء الكتاب بالحق لكنهم انكروه، ومن غالب الحق غلبه الحق، وبقي هو في نزاع كبير فلا يهتدي الى الحق ابدا.

وكتمان الحق يتناول كل انسان من أية ملة كان، يهوديا أو نصرانيا أو مسلما، فهو حكم عام مستمر في كل مكان وكل زمان.

2.177

البر: الصلة، يقال بر رحمه اذا وصلها. والخير، والاتساع في الاحسان، والطاعة والصدق، وهو جماع الخير، والاخلاق الحسنة وما ينشأ عنها من أعمال صالحة يتقرب بها العبد الى ربه، أما بالنسبة الى الله فهو الثواب والرضا والمحبة الآلهية.

المساكين: مفرده مسكين وهو الذي لا يستطيع العمل، ولا يفطن أحد له لانه لا يسأل الناس. ابن السبيل: هو المسافر إذا انقطع فلا يجد ما يوصله الى بلده. السائلين: الذين ألجأتهم الحاجة الى السؤال، فاضطروا الى التكفف. في الرقاب: تحرير العبيد واعانتهم على فك رقابهم. البأساء: الشدة. الضراء: كل ما يضر الانسان من مرض أو فقد حبيب من أهل أو مال. حين البأس: وقت الحرب.

هذه أجمع الآيات في تحديد معنى البر من النواحي الواقعية. فهي ترشد الى ان البر لا يرتبط بشيء من المظاهر والصور والأشكال، وانما بالحقائق ولب الأمور وروح التكاليف. كما ترشد الى ان البر أنواع ثلاثة جامعة لكل خير: بر في العقيدة، وبر في العمل، وبر في الخلق.

يعلمنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآية ان الخير ليس في الجدل في أمور لا تجدي، ولا هو متعلق بالتوجه الى المشرق أو المغرب في صلاة مظهرية جوفاء، كلا، وانما هو أولا الإيمان بالله في ربوبيته ووحدانيته؛ والايمان باليوم الآخر، حيث تتم المحاسبة على ما جنته الجوارح وما في القلوب والضمائر. بيد ان الايمان بالله واليوم الآخر لا يمكن للعقل البشري ان يصل اليه مستقلا بل لا بد من واسطة تدلنا عليه. وهي من ثلاثة عناصر: الملائكة الذين يتلقون عن الله مباشرة، والأنبياء الذين يتلقون عن الملائكة، والكتاب الذي يتلقونه ويبلغون ما فيه من أحكام وتشريعات. وقد عبر الله عنها بالكتاب اشارة الى وحدة الدين عند الله. هذه الأمور الخمسة هي البر في العقيدة: الايمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين.

أما البر في العمل فله شعب كثيرة ترجع كلها مهما تنوعت الى بذل النفس والمال ابتغاء مرضاة الله، وادخال السرور على خلق الله. والعمل هو مدد العقيدة وفي نفس الوقت ثمرتها، يحفظها وينميها، ويدل عليها. وقد ذكرت الآية بذل النفس في أعظم مظهر له، ذلك هو اقامة الصلاة. فالصلاة هي عماد الدين، والفارق بين المؤمن وغيره. انها مناجاة العبد لربه، والناهية عن الفحشاء والمنكر، والعاصمة من الهلع والجزع. هذه هي الصلاة اذا اقامها المرء على حقيقتها، فوقف بين يدي ربه وقد خلع نفسه من كل شيء في دنياه، وسلم لله أموره ونسي ما عداه. بذلك يكون قد بذل نفسه لله، ووضعها بين يديه، فجاءت صلاته عهدا حقيقيا بينه وبين ربه.

ثم بين الله تعالى في الآية بذل المال في وصرتين، أحداهما قوله تعالى: ﴿ وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وفي الرقاب ﴾ , والثانية قوله تعالى: ﴿ وآتى الزكاة ﴾ ويجب ان يفهم هنا بمقتضى هذا الوضع القرآني الكريم ان الزكاة المفروضة شيء، وان ايتاء المال لهؤلاء الأصناف المذكورة شيء آخر لا يندرج في الزكاة ولا تغني عنه الزكاة.

تيسير التفسير · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تيسير التفسيرص ٦٠