تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.163

يبين الله تعالى هنا القاعدة الكبرى في هذا الدين والأساس الأول الذي يبنى عليه وهي الوحدانية. فالذي يستحق منكم الطاعة ويستوجب منكم العبادة هو معبود واحد ورب واحد. فلا تعبدوا غيره، ولا تشركوا معه سواه. انه الذي وسعت رحمته كل شيء، فحسب المرء ان يرجو رحمته ولا يعتمد رحمة سواه.

وقد قرن الوحدانية مع الرحمة دون غيرهما من صفاته، ليبين لعباده انه يرحم ويغفر أكبر الذنوب، يفعل ذلك ترغيبا في التوبة والرجوع اليه في كل حين.

2.164

في هذه الآية عرض موجز لبعض مشاهد الكون العجيب، وآيات لكل ذي عقل على وجود الله وألوهيته. وفيها تنبيه للحواس والمشاعر تفتح العين والقلب على عجائب هذا الكون، فمن ذلك: ابداع السموات التي ترونها والكواكب تسير فيها بانتظام دون ان تتزاحم او تصطدم، بل تبعث الحرارة والنور لهذا العالم، والارض وما فيها من البر والبحر، وتعاقب الليل والنهار في حياتها وما في ذلك مع المنافع للناس. كذلك ما يجري في البحر من السفن التي تحمل الناس والمتاع، ولا يسيرها الا الله. كذلك فهو الذي يرسل الرياح التي تبعث المطر، فيحيي الحيوان ويسقي الارض، والنبات. ومن خلقه ايضا ما ترونه من السحاب المعلق بين السماء والارض.

والآن، هل يعقل ان تقوم هذه الأشياء كلها، وبهذا الاتقان والإحكام من تلقاء نفسها! ام هي صنع العليم القدير!

ويدلنا علم الفلك ان عدد نجوم السماء مثل عدد ذرات الرمال الموجودة على سواحل البحار في الدنيا كلها، فمنها ما هو أكبر من الأرض وما هو أصغر منها. لكن أكثرها كبير جدا، حتى ليمكن ان يعدل أحدها ملايين النجوم التي في مثل حجم ارضنا هذه.

عندما تكون السماء صافية نستطيع ان نرى بالعين المجردة خمسة آلاف من النجوم ولكن هذا العدد يتضاعف الى أكثر من مليونين حين نستعمل تلسكوبا عاديا. ذلك ان الفضاء الكوني فسيح جدا، تتحرك فيه كواكب لا حصر لها، وبسرعة خارقة. فبعضها يواصل رحلته وحده، ومنها ما يسير مثنى مثنى، أو في مجموعات.

وأقرب حركة منا هي حركة القمر الذي يبعد حوالي 000ر240 ميل. وهو يكمل دورته حول الارض من تسعة وعشرين يوما ونصف يوم. كذلك تبعد أرضنا عن الشمس مسافة (000ر000ر92) ميل، وهي تدور حول محورها بسرعة الف ميل في الساعة، وقطر فلكها (000ر000ر190) ميل تكمله مرة واحدة في السنة. وهناك تسعة كواكب مع الارض وكلها تدور حول الشمس بسرعة فائقة. فالمشتري مثلا يكمل دورة واحدة حول الشمس كل 11 سنة وستة وثمانين يوما. وزحل كل 29 سنة وستة وأربعين يوما. وأورانس كل 84 سنة ويومين. ونبتون كل 164 سنة وسبعة وتسعين يوما. وأبعد هذه الكواكب السيارة حول الشمس هو بلوتو الذي تستغرق دورة واحدة منه حول الشمس 248 سنة و 43 يوما. وحول هذه الكواكب يدور واحد وثلاثون قمرا.

ولا ننسى ذلك العملاق الذي نسميه " الشمس " ، وهي أكبر من الأرض بمليون ومئتي ألف مرة. ثم ان هذه الشمس ليست بثابتة في مكانها وانما هي بدورها تدور مع كل هذه السيارات والنجيمات في هذا النظام الرائع. وهناك آلاف من الأنظمة غير نظامنا الشمسي، يتكون منها ذلك النظام الذي يسمى المجرات.

وكأنها جميعا طبق عظيم تدور عليه النجوم والكواكب منفردة ومجتمعة كما يدور الخذروف يلعب به الطفل، ﴿ وكل في فلك يسبحون ﴾.

ويقدر علماء الفلك ان هذا الكون يتألف من خمسمائة مليون واحدة من هذه المجرات، ويرون ان هذا الكون الفسيح بأعداده الهائلة من الكواكب والنجوم انما يسير بحركة منتظمة، طبقا لنظام وقواعد محكمة لا يصطدم فيها بعضها ببعض. وان العقل حين ينظر الى هذا النظام العجيب، والتنظيم الدقيق الغريب، لا يلبث ان يحكم باستحالة أن يكون هذا قائما بنفسه، بل يجزم ان هناك قدرة هي التي تقيمه وتهيمن عليه. تلك هي قدرة الله الواحد القدير. أفليس في هذه العجائب والمشاهد عبر ومواعظ لمن يتدبر بعقله ويستدل بما فيها من إتقان وإحكام على قدرة مبدعها وحكمته!

تيسير التفسير · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تيسير التفسيرص ٥٦