4.91
ثقفتموهم: وجدتموهم. السلطان المبين: الحجة الواضحة.
ستجدون طائفة أخرى منافقة شريرة كالطائفة السابقة، لكنها ليست مرتبطة بميثاق ولا متصلة بقوم لهم معكم ميثاق. وهؤلاء فريق من المنافقين كانوا يظهرون الإسلام للرسول وأصحابه ليأمنوا القتل والسباء. اما الحقيقة فإنهم كفار. يعلم ذلك منهم قومهم. وكان هؤلاء يأتون النبي فيسلمون رياء ثم يرجعون الى قريش فيرتكسون في الأوثان، يريدون ان يأمنوا ههنا وههنا.
﴿ كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ﴾
كلما دعاهم قومهم الى الشرك بالله ارتدوا، فصاروا مشركين مثلهم. فأمر الله بقتالهم ان لم يصلحوا.. أي إذا لم يعتزلوكم ويلتزموا الحياد على الأقل: خذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم فلا علاج لهم غير ذلك.
4.92
تحرير رقبة: عتق عبد رقيق مؤمن. الدية: مبلغ من المال يدفعه القاتل لأهل القتيل.
في هذه الآية الكريمة أحكام لعلاقات المسلمين بعضهم ببعض، وفيها أحكام تتناول ثلاثة حالات من القتل الخطأ. وهو المفروض ان يكون بين المسلمين، لأن المسلم لا يجوز ان يقتل أخاه المسلم أبدا، ولا قتل إلا في حد أو قصاص.
فالحالة الأولى: أن يقع القتل خطأ على مؤمن أهله مؤمنون في دار الاسلام. في هذه الحالة يجب عتق رقبة مؤمنة، وان تؤدى دية، أي مبلغ من المال (حدده النبي بمائة من الإبل أو ألف دينار) إلى اهل القتيل لتسكن ثائرة نفوسهم، وتعوضهم عما فقدوه من نفع المقتول. هذا الا اذا عفا أهله وعفوا عن الدية، وهو أقرب الى جو التعاطف والتسامح في المجتمع الاسلامي.
وأما عتق الرقبة فإنه تعويض للمجتمع المسلم عن القتيل المفقود، فمن أعدم نفسا مؤمنة تكون كفارته أن يوجد نفسا. والعتق كأنه إيجاد من جديد. فالإنسان حر، ولا يكمل وجوده إلا مع حريته. وفي هذه دليل كبير على ان الإسلام جاء ليحرر لا ليسترق.
وهنا معنى قوله تعالى:
﴿ ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا ﴾.
والحالة الثانية: ان يقع القتل خطأ على مؤمن في دار الحرب وأهله محاربون للإسلام. وفي هذه الحالة يجب عتق رقبة مؤمنة لتعويض النفس المؤمنة التي قتلت، لكنه لا يجوز أداء الدية لقومه المحاربين، خشية ان يستعينوا بها على قتال المسلمين. ولا مجال هنا لاسترضاء أهل القتيل لأنهم أعداء للمسلمين.
وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ﴾.
والحالة الثالثة: ان يقع القتل على رجل قومه معاهدون للاسلام. وهنا يجب تحرير رقبة مؤمنة، ودفع الدية كاملة الى أهله. فالله سبحانه قد حرم قتل المعاهد كما حرم قتل المؤمن.
ويقول بعض المفسرين في هذه الحالة الثالثة اذا كان المقتول خطأ هو المؤمن فقط، وجبت الدية وعتق الرقبة.
فمن لم يجد رقبة يفتديها أو عجز ماله عن ذلك وجب عليه صيام شهرين متتابعين، وذلك من باب " توبة من الله " شرعها لكم، ليتوب عليكم ويطهر نفوسكم من التهاون الذي يفضي إلى القتل الخطأ.
﴿ وكان الله عليما حكيما ﴾ والله عليم بأحوال النفوس وما يطهرها، حكيم فيما شرعه من الاحكام والآداب التي تضمن إرشادكم الى سعادة الدارين.