4.59
بعد ان بين سبحانه الأساس الذي تقوم عليه الحياة الاسلامية من أداء الامانات والحكم بالعدل جاء في هذه الآية الكريمة بالنظام الأساسي الذي تتطلبه الحياة العادلة، وقاعدة الحكم، ومصدر السلطة. وكلها تبدأ وتنتهي عند التلقي من الله وحده، والرجوع اليه في كتابه، ثم الى سنة رسوله، ثم عدالة أولي الامر من المسلمين، فالآية صريحة في توضيح مصادر التشريع الاسلامي.. فعندما نضع قانونا او نريد ان نحكم في قضية، علينا ان نرجع الى القرآن الكريم:، فاذا لم نجد رجعنا الى سنة رسوله، فاذا لم نعثر على طلبنا هناك سألنا أولي الأمر ان يجتهدوا رأيهم. وهذا الاجتهاد بابه مفتوح دائما لم يغلق، وما على أهل العلم والرأي إلا ان يجدوا ويجتهدوا في تحصيل الوسائل التي يكونون بها أهلا للاجتهاد.
" ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " وهذا صريح جدا في موضوع الاجتهاد.
وهذا
" حديث معاذ بن جبل حين ولاه رسول الله قاضيا على اليمن أوضح دليل، فإنه قال له: " بم تقتضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: بكتاب الله؟ قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي " ، فأقره الرسول على ذلك ".
﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ﴾
أطيعوا الله واعملوا بكتابه، وأطيعوا الرسول لأنه يبين لكم ما نزل إليكم، وأطيعوا أولي الأمر منكم وهم من وليتموهم أنتم أموركم، والعلماء ورؤساء الجند وسائر من يرجع إليهم الناس في الحاجات عن ثقة فيهم.. فإن تنازعتم في شيء فيما بينكم فاعرضوه على كتاب الله، ثم على سنة رسول الله لتعلموا حكمه. فإذا لم يوجد نص على الحكم في الكتاب ولا في السنة ينظر أولوا الأمر فيه، لأنهم هم الذين يوثق بهم. فإن اتفقوا وأجمعوا وجب العمل بما أجمعوا عليه.
﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾
هذا مقتضى إيمانكم بالله واليوم الآخرة، وهو خير لكم، لأنكم تهتدون الى العدل فيما اختلفتم فيه، وأحسن عاقبة، لأنه يمنع الخلاف المؤدي الى التنازع والضلال.
والأحاديث الواردة في الحض على طاعة اولي الأمر كثيرة جدا، ففي الصحيحين عن ابن عمر:
" السمع والطاعة الى المرء المسلم، فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية، فاذا أمرنا بمعصية فلا سمع ولا طاعة ".
وفي صحيح مسلم
" عن أم الحصين أنها سمعت الرسول الكريم يخطب في حجة الوداع يقول: " ولو استعمل علكيم عبد يقودكم بكتاب الله اسمعوا له وأطيعوا "
، أما الذي يستعمل ذلك العبد، فهو الرسول أو الخليفة الذي يجمع عليه المسلمون. فالأصل هم المسلمون لا القوة، ولا جيوش لقاء أجر، ولا تسلسل في ملك عضود أساسه التوارث.