[النور: 22].
وبالجملة ان اعلان الدعوة الإسلامية على الملأ، وتآمر المسلمين فيما بينهم بالمعروف، وتناهيهم عن المنكر - ان هذا ركيزة من ركائز الإسلام، ومن ثم يحتم وجود فئة معينة تقوم بهذه المهمة، تماما كما يحتم وجود سلطة تحافظ على الأمن والنظام، وفئة تختص بالصناعة، وأخرى بالزراعة، وما إلى ذاك مما لا تتم الحياة إلا به.
وهذا الأصل من الأصول الأساسية لكل دين، ولكل مذهب، وكل مبتدأ، ولو كان زمنيا، لأنه الوسيلة المجدية لبث الدعوة وانتصارها، وردع أعدائها.. ولا شيء أدل على ذلك من اهتمام أصحاب المذاهب السياسية والاقتصادية بوسائل الاعلام، وتطورها وبذل الملايين في سبيلها، ومن وقوف الدعاية بشتى أساليبها مع المدفع جنبا الى جنب، وما ذاك إلا لأنهم أدركوا بتجاربهم ان الرأي العام أمضى سلاحا، وأقوى أثرا من الصواريخ والقنابل. وقد اشتهر عن أحد أقطاب الحلفاء بعد انتصارهم في الحرب العالمية انه قال: " لقد انتصرنا في المعرفة بقنابل من ورق ". يعني الصحف والنشرات.
وتسأل: كيف تجمع بين قوله تعالى: ﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ وبين قوله سبحانه:
يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم
[المائدة: 105]، حيث أفادت الأولى وجوب الأمر بالمعروف، ودلت الثانية على عدم وجوبه بقرينة (عليكم أنفسكم)؟
الجواب: المقصود بالآية الثانية ان من قام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه المطلوب فلا يضره ضلال من ضل، واعراض من أعرض، ما دام قد ادى ما عليه:
فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب
[الرعد: 40].
سؤال ثان: لقد اشتهر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) انه قال:
" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان "
وهذا الترتيب يتنافى مع ما هو معروف شرعا وعقلا وعرفا من أن تغيير المنكر انما يبتدئ أولا باللسان، فإن لم يجد فبالحرب، فما هو الوجه لقول الرسول الأعظم؟.
الجواب: فرق بعيد بين تغيير المنكر، وبين النهي عن المنكر، فإن النهي عن المنكر يكون قبل وقوعه - في الغالب - فهو أشبه بالوقاية، كما لو احتملت ان شخصا يفكر بالسرقة، فتنهاه عنها.
أما تغيير المنكر فيكون بعد وقوعه، كما لو علمت ان شخصا سرق محفظة الغير، فان كنت قادرا على انتزاعها من السارق، وردها الى صاحبها وجب عليك أن تباشر ذلك بنفسك إذا انحصر الرد بفعلك خاصة، ولم يلحقك أي ضرر، فإن لم تستطع وجب عليك ان تأمر السارق برد المحفظة الى صاحبها، وتنهاه عن امساكها، فإن لم تستطع مقت السارق، ولم ترض بفعله بينك وبين ربك.. وموضوع الحديث النبوي تغيير المنكر، لا النهي عن المنكر ".