نسبح بحمدك: نصلي لك، وننزهك ونبرئك مما يضيفه اليك أهل الشرك. ونقدس لك: نعظمك ونمجدك. وكل ذلك اقرارا بالفضل وشكرانا لله على خلقهم.
﴿ وعلم آدم الأسمآء كلها.. ﴾ الآية آدم أبو البشر، وجمعه أوادم، يجوز أن يكون لفظه عربيا. واشتقاقه من الأدمة، وهي السمرة الشديدة، أو من أديم الارض اي قشرتها لأنه خلق من تراب: " ان الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الارض فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأبيض وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب ".
وقال السهيلي في " الروض الأنف ": قيل؛ ان آدم عربي، أو عبراني، أو سرياني (وهذا ظن مردود، والحقيقة لا يعلمها الا الله). وعلمه اسماء جميع الأشياء وخواصها، وأودع في نفسه علم جميع الأشياء من غير تحديد ولا تعيين (ونحن نصرف ذلك الى انه أودع فيه القدرة على الإدراك والتمييز، لا علمه لفظات معينة في لغة بعينها). وبعد أن علمه أسماء الأشياء وخواصها ليتمكن في الأرض عرض هذه الأشياء على الملائكة وقال لهم: أخبروني بأسماء هذه الأشياء وخواصها ان كنتم صادقين في ظنكم أنكم أحق بخلافة الأرض من هذا المخلوق الجديد، انطلاقا من واقع طاعتكم لي وعبادتكم إياي. فقالوا: سبحانك ربنا، إننا ننزهك التنزيه اللائق بك، ونقر ونعترف بعجزنا، فلا علم عندنا الا ما وهبتنا إياه، انك أنت العالم بكل شيء، والحكيم في كل أمر تفعله.
فلما اعترفوا بعجزهم قال الله تعالى لآدم: أخبرهم يا آدم بهذه الأشياء.
فأجاب آدم وأظهر فضله عليهم. فقال الله تعالى مذكرا لهم بإحاطة علمه: ألم أقل لكم إني أعلم كل ما غاب في السماوات والارض، وأعلم ما تظهرون في قولكم، وما تخفون في نفوسكم!!
وفي هذه الآية دليل على شرف الانسان على غيره من سائر المخلوقات حتى الملائكة، وانه أفضلهم. وفيها دليل على فضل العلم على العبادة، وان العلم أساس مهم في الخلافة في هذه الارض، فالأعلم هو الأفضل، يؤيد ذلك قوله تعالى:
قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون
[الزمر:9]. ولقد قام الدين الإسلامي على العلم، فلما تأخر المسلمون عنه تقدمهم غيرهم.
﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم... ﴾ الآية اذكر يا محمد حين قلنا للملائكة اسجدوا سجود خضوع وتحية لآدم (لا سجود عبادة، فالمعبود هو الله وحده) فصدعوا للأمر الرباني وسجدوا. وقد جاء السجود في القرآن بمعنى غير العبادة كما هو هنا، وفي سورة يوسف:
ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا
[يوسف:100] أي تحية، كما هي العادة التي كان الناس يتبعونها في تحية الملوك والعظماء.
ولقد سجد الملائكة كلهم أجمعون الا أبليس أبى وامتنع. لقد استكبر، فلم يطع أمر الحق، ترفعا عنه، وزعما بأنه خير من آدم، كما ورد في سورة الأعراف
قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين
[الاعراف:12]. وكان من الكافرين بنعم الله وحكمته وعلمه.
وقد التبس على بعض الغربيين أمر السجود، وذلك ديدنهم في النقد كلما وجدوا له فرصة في قصص القرآن. قال: " بابيني " الايطالي صاحب كتاب " الشيطان ": " انه يستغرب ان يؤمر إبليس بالسجود لآدم مع غلو القرآن في تحريم الشرك وتنزيه الوحدانية الإلهية. " فهو إما أنه لا يعرف ان السجود قد يكون للتحية والتكريم. أو انه من اولئك المتعصبين الذين لا يريدون ان يفهموا. وهؤلاء لا حيلة لنا معهم، وهم في الغرب كثيرون.
وإبليس: أشهر اسم للشيطان الأكبر، ومن أشهر أسمائه في اللغات: " لوسيفر " و " بعلزبول " و " مغستوفليس " و " عزازيل ". وقد تقدم أن الشيطان كل عات ومتمرد من الجن والإنس والدواب وكل شيء، وهذه الأسماء تمثل قوة الشر الكبرى في العالم في موقفها أمام عوامل الخير والكمال.
والشيطان كلمة عربية أصيلة، لأن اللغة اشتملت على كل أصل يمكن ان يتفرع منه لفظ الشيطان، ففيها مادة شط وشاط وشطن وشوط، وكل هذه الألفاظ تدل على البعد والضلال والتلهب الاحتراق. وهي تستوعب أصول المعاني التي تفهم من كلمة شيطان. وقد كان العرب يسمون الثعبان الكبير شيطانا، وبذلك فسر بعض المفسرين قوله تعالى: