تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثاني: تدل الآية على فساد التقليد في الدين، وتدل على أنه تعالى أزال العذر، وأزاح العلة، وبعدها لا يعذر أحد. ذكره الجشمي.

الثالث: استدل بهذه الآية والأحاديث المتقدمة في معناها، أن معرفته تعالى فطرية ضرورية، قال تعالى:

قالت رسلهم أفي الله شك

[إبراهيم: 10]، وقال تعالى:

ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ليقولن الله

[لقمان: 25]،

قل من رب السموت السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون

[المؤمنون: 86-87].

وعن عمران بن حصين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي:

" " يا حصين: كم تعبد اليوم إلها؟ " قال أبي: سبعة، ستا في الأرض، وواحدا في السماء! قال: " فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ " قال: الذي في السماء "

- رواه الترمذي - فالله تعالى فطر الخلق كلهم على معرفته فطرة توحيد، حتى من خلق مجنونا مطبقا مصطلما لا يفهم شيئا، ما يحلف إلا به، ولا يلهج لسانه بأكثر من اسمه المقدس، فطرة بالغة.

قال التقي ابن تيمية: إن الإقرار والاعتراف بالخالق فطري ضروري في نفوس الناس. وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته، حتى يحتاج إلى نظر يحصل له به المعرفة. وهذا قول جمهور الناس، وعليه حذاق النظار؛ أن المعرفة تحصل بالضرورة، وقد تحصل بالنظر لمن فسدت فطرته، كما اعترف بذلك خلائق من أئمة المتكلمين.

وقال أيضا: ذهب طوائف من النظار إلى أن معرفة الله واجبة، ولا طريق لها إلا بالنظر فأوجبوا النظر على كل أحد. وهذا القول إنما اشتهر في الأمة عن المعتزلة ونحوهم. ولهذا قال أبو جعفر السمناني وغيره: إيجاب الأشعري النظر في المعرفة، بقية بقيت عليه من الاعتزال.

وذكر رحمه الله أن الذي يدل عليه كلامه الأئمة والسلف - وهو أعدل الأقوال - أن النظر يجب في حال دون حال، وعلى شخص دون شخص، فوجوبه من العوارض التي تجب على بعض الناس في بعض الأحوال، لا من اللوازم العامة.

والذين أوجبوا النظر ليس معهم ما يدل على عموم وجوبه، إنما يدل على أنه قد يجب، كقوله تعالى:

قل انظروا ماذا في السموت والأرض

[يونس: 101]، وقوله:

فلينظر الإنسان مم خلق

[الطارق: 5] فإنه خطاب مع المتكبرين الجاحدين، أمروا بالنظر، ليعرفوا الحق، ويقروا به، ولا ريب أن النظر يجب على هؤلاء.

قال أبو حيان التوحيدي: في (مقابساته)، في المقابسة الثانية والأربعين: قيل لأبي الخير: حدثنا عن معرفة الله، تقدس وعلا، ضرورة هي أم استدلال؟ فإن المتكلمين في هذا اختلفوا اختلافا شديدا، وتنابذوا عليه تنابذا بعيدا، ونحب أن يحصل لنا جواب، فيفسر على حد الاختصار مع البيان.

فقال: هي ضرورة من ناحية العقل، واستدلال من ناحية الحس، ولما كان كل مطلوب من العلم إما أن يطلب بالعقل في المعقول، أو بالحس في المحسوس، ساغ أن يظن مرة أن معرفته تعالى اكتساب واستدلال، لأن الحس يتصفح ويستقوي بمؤازرة العقل ومظاهرته وتحصيله، وأن يظن تارة أنها ضرورة، فإن العقل السليم من الآفة، البريء من العاهة، يحث على الاعتراف بالله تقدس اسمه، ويحظر على صاحبه جحده وإنكاره والتشكك فيه، لكن ضرورة لائقة بالعقل؛ لأن ضرورة العقل ليست كضرورة الحس؛ لأن ضرورة الحس فيها جذب واختيار، وحمل وإكراه. وضرورة العقل لطيفة جدا؛ لأنه يعظ ويلاطف وينصح ويخفف.

ثم ضرب مثلا لطيفا، وقال بعده: فعلى هذا، فإن الله تقدس اسمه، معروف عند العقل بالاضطرار، لا ريب عنده في وجوده، ومستدل عليه عند الحس؛ لأنه يستحيل كثيرا، ولا يثبت أصلا، فمن استدل ترقى من الجزئيات. ومن ادعى الاضطرار انحدر من الكليات. وكلا الطريقين قد وضح بهذا الاعتبار، وكفي مؤونة الخبط والإكثار. فأما ما ينظر منه في الجدال، فلا يرث منه إلا الشك والفرقة والحمية والعصبية، وهناك للهوى ولادة وحضانة، وللباطل استيلاء وجولة، وللحيرة ركود وإقامة. أخذ الله بأيدينا، وكفانا الهوى الذي يؤذينا. انتهى.

محاسن التأويل · الصفحة ١٢٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٢٧١