تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال الناصر في (الانتصاف): موقع قوله: ﴿ وسع ربنا كل شيء علما ﴾ الإعتراف بالقصور عن علم العاقبة، والإطلاع على الأمور الغائبة، فإن العود إلى الكفر جائز في قدرة الله أن يقع من العبد، ولو وقع، فبقدرة الله ومشيئته المغيبة عن خلقه. فالحذر قائم، والخوف لازم. ونظيره قول إبراهيم عليه السلام:

ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشآء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون

[الأنعام: 80] لما رد الأمر إلى المشيئة، وهي مغيبة، مجد الله تعالى بالإنفراد بعلم الغائبات - والله أعلم.

وقال أبو السعود: معنى: ﴿ وما يكون لنآ... ﴾ الآية - أي: ما يصح لنا أن نعود فيها في حال من الأحوال، أو في وقت من الأوقات، إلا أن يشاء الله، أي إلا حال مشيئة الله تعالى، أو وقت مشيئته تعالى لعودنا فيها، وذلك مما لا يكاد يكون، كما ينبئ عنه قوله تعالى: ﴿ ربنا... ﴾ فإن التعرض لعنوان ربوبيته تعالى لهم، مما ينبئ عن استحالة مشيئته تعالى لارتدادهم قطعا، وكذا قوله: ﴿ بعد إذ نجانا الله منها ﴾ فإن تنجيته تعالى لهم منها، من دلائل عدم مشيئته لعودهم فيها. وقيل معناه: إلا أن يشاء الله خذلاننا، فيه دليل على أن الكفر بمشيئته تعالى، وأيا ما كان، فليس المراد بذلك بيان أن العود فيها في حيز الإمكان، وخطر الوقوع، بناء على كون مشيئته تعالى كذلك، بل بيان استحالة وقوعها.

كأنه قيل: وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وهيهات ذلك، بدليل ما ذكر من موجبات عدم مشيئته تعالى له - انتهى.

ولا يخفى أن إفهام ذلك الإستحالة، هو باعتبار الواقع، وما يقتضيه منصب النبوة، وأما إذا لوحظ مقام الخوف والخشية، الذي هو من أعلى مقامات الخواص، فيكون ما ذكرناه أولا أدق، وبالقبول أحق.

قال الإمام ابن القيم في (طريق الهجرتين): قد أثنى الله سبحانه على أقرب عباده إليه بالخوف منه، فقال عن أنبيائه، بعد أن أثنى عليهم ومدحهم:

إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا

[الأنبياء: 90]، فالرغب: الرجاء، والرهب: الخوف والخشية. وقال عن ملائكته الذين قد آمنهم من عذابه:

يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون

[النحل: 50]، في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" إني أعلمكم بالله، وأشدكم له خشية "

وفي لفظ آخر:

" إني أخوفكم لله وأعلمكم بما أتقي "

وكان صلى الله عليه وسلم يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء. وقد قال تعالى:

إنما يخشى الله من عباده العلماء

[فاطر: 28]، فكلما كان العبد بالله أعلم، كان له أخوف.

الثالث: قال الفراء: أهل عمان يسمون (القاضي) الفاتح والفتاح؛ لأنه يفتح مواضع الحق. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما كنت أدري قوله: ﴿ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ﴾ حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك، أي: أحاكمك.

وقال الشهاب: الفتح، بمعنى الحكم، وهي لغة لحمير أو لمراد، والفتاحة (بالضم) عندهم الحكومة. أو هو مجاز بمعنى: أظهر وبين أمرنا، حتى ينكشف ما بيننا وبينهم، ويتميز المحق من المبطل. ومنه فتح المشكل لبيانه وحله، تشبيها له بفتح الباب وإزالة الأغلاق، حتى يوصل إلى ما خلفها.

محاسن التأويل · الصفحة ١٢٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٢٢١