ومنه حديث معاذ. قال له النبي صلى الله عليه وسلم:
" أعدت فتانا يا معاذ؟ "
أي: صرت.
ومنه حديث خزيمة: عاد لها النقاد مجرنثما أي: صار.
وفي حديث كعب: وددت أن هذا اللبن يعود قطرانا، أي: يصير. فقيل له: لم ذلك؟ قال تتبعت قريش أذناب الإبل، وتركوا الجماعات.
قال الشهاب: إلا أنه قيل إنه لا يلائم قوله: ﴿ بعد إذ نجانا الله منها ﴾ إلا أن يقال بالتغليب فيه، أو يقال: التنجية لا يلزم أن تكون بعد الوقوع في المكروه، ألا ترى إلى قوله:
فأنجيناه وأهله
[الأعراف: 83] وأمثاله؟
ومنها: أن العود يطلق، ويراد به الابتداء. حققه الراغب والجاربردي وغير واحد.
وأنشدوا قول الشاعر:
* وعاد الرأس مني كالثغام *
ومعنى الآية: لتدخلن في ملتنا، وقوله تعالى: ﴿ إن عدنا ﴾ أي: دخلنا - كذا في تاج العروس.
ومنها: إبقاء صيغة العود على ظاهرها، من استدعائها رجوع العائد، إلى حال كان عليها قبل، كما يقال: عاد له، بعد ما كان أعرض عنه، إلا أن الكلام من باب التغليب. قال الزمخشري: لما قالوا:
لنخرجنك يشعيب والذين آمنوا معك
[الأعراف: 88] فعطفوا على ضميره، الذين دخلوا في الإيمان منهم بعد كفرهم - قالوا:
لتعودن
[الأعراف: 88] فغلبوا الجماعة على الواحد، فجعلوهم عائدين جميعا، إجراءا للكلام على حكم التغليب. وعلى ذلك أجرى شعيب عليه السلام جوابه فقال: ﴿ إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها ﴾ وهو يريد عود قومه، إلا أنه نظم نفسه في جملتهم، وإن كان بريئا من ذلك، إجراء لكلامه على حكم التغليب - انتهى.
ومنها: ما قاله الناصر في (الانتصاف): إنه يسلم استعمال (العود) بمعنى (الرجوع إلى أمر سابق)، ويجاب عن ذلك بمثل الجواب عن قوله تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات
[البقرة: 257] والإخراج يستدعي دخولا سابقا فيما وقع الإخراج منه، نحن نعلم أن المؤمن الناشئ في الإيمان لم يدخل قط في ظلمة الكفر ولا كان فيها، وكذلك الكافر الأصلي، لم يدخل قط في نور الإيمان، ولا كان فيه، ولكن لما كان الإيمان والكفر من الأفعال الإختيارية التي خلق الله العبد متيسرا لكل واحد منهما متمكنا منه لو أراده، فعبر عن تمكن المؤمن من الكفر، ثم عدوله عنه إلى الإيمان، إخبارا بالإخراج من الظلمات إلى النور، توفيقا من الله له، ولطفا به وبالعكس في حق الكافر. وقد مضى نظير هذا النظر عند قوله تعالى:
أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى
[البقرة: 16] وهو من المجاز المعبر فيه عن السبب بالمسبب، وفائدة اختياره في هذه المواضع تحقيق التمكن والإختيار، لإقامة حجة الله على عباده - والله أعلم - انتهى.
الثاني: في قوله: ﴿ إلا أن يشآء الله ربنا ﴾ رد إلى الله تعالى مستقيم.
قال الواحدي: والذي عليه أهل العلم والسنة في هذه الآية؛ أن شعيبا وأصحابه قالوا: ما كنا لنرجع إلى ملتكم، بعد أن وقفنا على أنها ضلالة تكسب دخول النار، إلا أن يريد إهلاكنا، فأمورنا راجعة إلى الله، غير خارجة عن قبضته، يسعد من يشاء بالطاعة، ويشقي من يشاء بالمعصية. وهذا من شعيب وقومه استسلام لمشيئة الله. ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة، وانقلاب الأمر. ألا ترى إلى قول الخليل عليه الصلاة والسلام:
واجنبني وبني أن نعبد الأصنام
[إبراهيم: 35]؟ وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول:
" يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك ".
وقال الزجاج: المعنى: وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يكون قد سبق في علم الله ومشيئته أن نعود فيها، وتصديق ذلك قوله: ﴿ وسع ربنا كل شيء علما ﴾ ، يعني: أنه تعالى يعلم ما يكون، من قبل أن يكون، وما سيكون، وأنه تعالى كان عالما في الأزل بجميع الأشياء، فالسعيد من سعد في علم الله تعالى، والشقي من شقي في علم الله تعالى.