فلما كانت صبيحة الأحد، أخذتهم الصيحة، فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا هلك، إلا جارية مقعدة يقال لها (الزريعة) وهي الكلبة ابنة السلق. كانت كافرة شديدة العداوة لصالح، فأطلق الله لها رجليها بعدما عاينت العذاب أجمع. فخرجت كأسرع ما يرى شيء قط، حتى أتت أهل قرح فأخبرتهم بما عاينت من العذاب وما أصاب ثمود منه، ثم استسقت من الماء فسقيت، فلما شربت ماتت.
الثاني: قال الرازي: زعم بعض الملحدين أن ألفاظ التنزيل في حكاية هذه الواقعة اختلفت، وهي الرجفة والطاغية والصيحة. والجواب ما قاله أبو مسلم: إن الطاغية إسم لكل ما تجاوز حده، سواء كان حيوانا أو غير حيوان، وألحق الهاء به للمبالغة، فالمسلمون يسمون الملك العاتي بالطاغية والطاغوت. وقال تعالى:
كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى(*)
[العلق: 6-7]. ويقال: طغى طغيانا، وهو طاغ وطاغية، وقال تعالى:
كذبت ثمود بطغواهآ
[الشمس: 11] وقال في غير الحيوان:
إنا لما طغا المآء
[الحاقة: 11]، أي: غلب وتجاوز عن الحد. وأما الرجفة: فهي الزلزلة في الأرض، وهي حركة خارجة عن المعتاد، فلم يبعد إطلاق إسم الطاغية عليها، وأما الصيحة: فالغالب أن الزلزلة لا تنفك عن الصيحة العظيمة الهائلة. وأما الصاعقة: فالغالب أنها الزلزلة، وكذلك الزجرة، قال تعالى:
فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة
[النازعات: 13-14]. فبطل ما زعمه ذلك البعض.
الثالث: قال علماء التفسير: ولم يبق من ذرية ثمود أحد، سوى صالح عليه السلام، ومن تبعه رضي الله عنهم. إلا أن رجلا يقال له أبو رغال. كان لما وقعت النقمة بقومه، مقيما إذ ذاك في الحرم، فلم يصبه شيء، فلما خرج في بعض الأيام إلى الحل، جاءه حجر من السماء فقتله.
روى الإمام أحمد عن جابر قال:
" لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: " لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح، فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج، وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم، فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها، فأخذتهم صيحة أخمد الله من تحت أديم السماء منهم، إلا رجلا واحدا كان في حرم الله ". فقالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: " أبو رغال. فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه "
قال ابن كثير: وهذا الحديث ليس في شي من الكتب الستة، وهو على شرط مسلم.
وروى عبد الرزاق عن معمر: أخبرني إسماعيل بن أمية؛
" أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر أبي رغال فقال: " أتدرون من هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " هذا قبر أبي رغال، رجل من ثمود، كان في حرم الله، فمنعه حرم الله عذاب الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه، فدفن هاهنا، ودفن معه غصن من ذهب "
، فنزل القوم، فابتدروه بأسيافهم، فبحثوا عنه، فاستخرجوا الغصن.
وأبو رغال هو أبو ثقيف الذين كانوا يسكنون الطائف، كما روي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم - أخرجه أبو داود وغيره.
الرابع: ذكرنا قبل؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على ديار ثمود المعروفة الآن بمدائن صالح، وهو ذاهب إلى غزوة تبوك، سنة تسع، وأمر أصحابه أن يدخلوا خاشعين وجلين أن يصيبهم ما أصاب أهلها، ونهاهم أن يشربوا من مائها. فروى الإمام أحمد عن ابن عمر قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس عام تبوك، نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستسقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها، ونصبوا القدور باللحم. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأهراقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا، وقال:
" إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم ".
وروى أحمد والبخاري ومسلم عن ابن عمر قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: