تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء، وقد كمن لها قدار في أصل شجرة على طريقها، وكمن لها مصدع في أصل أخرى. فمرت على مصدع فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها.

وخرجت أم غنم عنيزة وأمرت ابنتها، وكانت من أحسن الناس وجها، فأسفرت لقدار وأرته إياه، ثم ذمرته: فشد على الناقة بالسيف فخشف عرقوبها، فخرت ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها، ثم طعن في لبتها فنحرها.

وانطلق سقبها حتى أتى جبلا منيفا، ثم أتى صخرة في رأس الجبل فزعا ولاذ بها، وإسم الجبل فيما يزعمون (صنوا) - فأتاهم صالح، فلما رأى الناقة قد عقرت، قال: انتهكتم حرمة الله، فأبشروا بعذاب الله تبارك وتعالى ونقمته.

فاتبع السقب أربعة نفر من التسعة الذين عقروا الناقة، وفيهم (مصدع بن مهرج) فرماه مصدع بسهم، فانتظم قلبه ثم جر برجله فأنزله، ثم ألقوا لحمه مع لحم أمه.

فلما قال لهم صالح: أبشروا بعذاب الله ونقمته، قالوا له وهم يهزؤون به: ومتى ذلك يا صالح؟ وما آية ذلك؟ - وكانوا يسمون الأيام فيهم: الأحد (أول) والاثنين (أهون) والثلاثاء (وبار) والأربعاء (جبار) والخميس (مؤمن)، والجمعة (العروبة) والسبت (شيار) وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء - فقال لهم صالح حين قالوا له ذلك: تصبحون غداة يوم مؤمن، يعني يوم الخميس، ووجوهكم مصفرة، ثم تصبحون يوم العروبة، يعني يوم الجمعة، ووجوهكم محمرة، ثم تصبحون يوم شيار، يعني يوم السبت، وجوهكم مسودة، ثم يصبحكم العذاب يوم الأول، يعني يوم الأحد.

فلما قال لهم صالح ذلك، قال التسعة الذين عقروا الناقة: هلم فلنقتل صالحا، إن كان صادقا عجلناه قبلنا، وإن كان كاذبا يكون قد ألحقناه بناقته.

فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطأوا على أصحابهم، أتوا منزل صالح فوجدوهم مشدخين قد رضخوا بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم! ثم هموا به. فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاح وقالوا لهم: والله لا تقتلونه أبدا، فقد وعدكم أن العذاب نازل لكم في ثلاث، فإن كان صادقا لم تزيدوا ربكم عليكم إلا غضبا، وإن كان كاذبا فأنتم من وراء ما تريدون!

فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك، والنفر الذين رضخهم الملائكة بالحجارة، التسعة الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن بقوله تعالى:

وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون

[النمل: 48] إلى قوله:

لآية لقوم يعلمون

[النمل: 52].

فأصبحوا من تلك الليلة التي انصرفوا فيها عن صالح، وجوههم مصفرة، فأيقنوا بالعذاب. وعرفوا أن صالحا قد صدقهم، فطلبوه ليقتلوه، وخرج صالح هاربا منهم حتى لجأ إلى بطن من ثمود يقال لهم (بنو غنم)، فنزل على سيدهم رجل منهم يقال له (نفيل) يكنى بأبي هدب، وهو مشرك، فغيبه، فلم يقدروا عليه.

فغدوا على أصحاب صالح فعذبوهم ليدلوهم عليه، فقال رجل من أصحاب صالح يقال له (ميدع بن هرم): يا نبي الله، إنهم يعذبوننا لندلهم عليك، أفندلهم عليك؟ قال: نعم، فدلهم عليه (ميدع بن هرم). فلما علموا بمكان صالح، أتوا أبا هدب فكلموه فقال لهم: عندي صالح، وليس لكم إليه سبيل، فأعرضوا عنه وتركوه، وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم من عذابه.

فجعل بعضهم يخبر بعضا بما يرون في وجوههم حين أصبحوا من يوم الخميس، وذلك أن وجوههم أصبحت مصفرة، ثم أصبحوا يوم الجمعة ووجوههم محمرة، ثم أصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودة، حتى إذا كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومن أسلم معه إلى الشام، فنزل رملة فلسطين.

وتخلف رجل من أصحابه يقال له (ميدع بن هرم) فنزل قرح - وهي وادي القرى، وبين القرح وبين الحجر ثمانية عشر ميلا - فنزل على سيدهم رجل يقال له (عمرو بن غنم)، وقد كان أكل من لحم الناقة ولم يشرك في قتلها. فقال له ميدع بن هرم: يا عمرو بن غنم أخرج من هذا البلد، فإن صالحا قال: من أقام فيه هلك، ومن خرج منه نجا. فقال عمرو: ما شركت في عقرها، وما رضيت ما صنع بها.

محاسن التأويل · الصفحة ١٢٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٢٠٩