تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

73.5

قوله تعالى: ﴿ إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ﴾؛ ليس على ثقل الحفظ، ولكن قال الحسن: ((إنهم ليهذون هذاؤه، ولكن العمل به ثقيل)). وقال قتادة: ((ثقيل والله فرائضه وحدوده))، وقال مقاتل: ((ثقيل لما فيه من الأمر والحدود)). وقال أبو العالية: ((ثقيل بالوعد والوعيد والحلال والحرام، فلا يقدر أحد أن يؤدي جميع أوامره إلا بتكلف يثقل)).

ويقال: معناه: كلاما محكما ليس بسفساف كما يقال: هذا كلام له وزن. وقيل: إنما سمي ثقيلا لثقله في الميزان مع خفته على اللسان، وعن الحسن في قوله تعالى ﴿ إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ﴾ قال: ((العمل))، وقيل: ثقيل لا يحمله إلا القلب المؤيد بالتوفيق ونفس مؤمنة بتوحيده.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: [لقد رأيته ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الشديد البرد فينفصم عنه، وإن جبينه لينفص عرقا]. وقالت عائشة أيضا: [إن كان ليوحى إليه وهو على راحلته فتضرب بجرانها].

73.6

قوله تعالى: ﴿ إن ناشئة الليل هي أشد وطأ ﴾؛ معناه: إن القيام في ساعات الليل أثقل وأشد على القائم من القيام بالنهار؛ لأن الليل إنما خلق للراحة والسكون، ففعل الطاعة فيه أشد من فعلها بالنهار، وقال ابن مسعود: ((إن ناشئة الليل قيام الليل)). وقالت عائشة: ((الناشئة القيام بعد النوم))، وعن ابن الأعرابي: ((إذا نمت من أول الليل، ثم قمت فتلك الناشئة)) ومنه ناشئة الليل.

وقيل: ناشئة الليل ساعاتها كلها، وكل ساعة منه فهي ناشئة، سميت بذلك؛ لأنها تنشئ، ومنه نشأت السحابة إذا بدت، وجمعها ناشئات، وعن حاتم بن أبي صغيرة قال: ((سألت ابن أبي مليكة عن ناشئة الليل فقال: على اللبيب سقطت، سألت ابن عباس فزعم أن الليل كله ناشئة، وسألت الزبير عنها فأخبرني مثل ذلك)).

وقال ابن جبير: ((أي ساعة قام من الليل فقد نشأ))، وقال قتادة: ((ما كان بعد العشاء فهو ناشئة)). وقال عبيد بن عمير لعائشة رضي الله عنها: ((رجل قام من أول الليل أيقال له ناشئة؟ قالت: لا؛ إنما الناشئة القيام بعد النوم)). وقال ابن كيسان: ((هي القيام من آخر الليل)). وعن ابن عباس قال: ((إذا نشأت قائما فهو ناشئة))، وعن مجاهد أنه قال: ((إذا قام الإنسان الليل كله فصلى فهو ناشئة، وما كان بعد العشاء الأخيرة فهو ناشئة)).

قوله تعالى: ﴿ هي أشد وطأ وأقوم قيلا ﴾ أي أثقل على المصلي من ساعات النهار، من قول العرب اشتدت على القوم وطأة السلطان؛ إذا ثقل عليهم ما يلزمهم، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:

" اللهم اشدد وطأتك على مضر ".

وقرأ أبو عمرو وابن عامر (وطئا) بكسر الواو والمد على معنى المواطأة والموافقة، ومنه قوله تعالى:

ليواطئوا عدة ما حرم الله

[التوبة: 37]، قال ابن عباس: ((يواطئ السمع القلب))، والمعنى: أن صلاة ناشئة الليل يواطئ السمع والقلب فيها أكثر مما يواطئ في ساعات النهار؛ لأن الليل أفرغ للانقطاع عن كثر ما يشغل بالنهار. ويقال: واطأت فلانا على كذا مواطأة ووطأة؛ إذا وافقته عليه.

قوله تعالى: ﴿ وأقوم قيلا ﴾؛ أي أبين قولا بالقرآن، وقيل: أستر استقامة وأطرب قراءة، وعبادة الليل أشد نشاطا وألد إخلاصا وأكثر بركة.

التفسير الكبير · الصفحة ٢٠٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٢٠٨٢