63.5
قوله تعالى: ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون ﴾؛ أي إذا قيل لهؤلاء المنافقين بعد ما افتضحوا: هلموا إلى رسول الله يستغفر لكم ذنوبكم، عطفوا رؤوسهم استهزاء به ورغبة عن الاستغفار، ورأيتهم يصدون عن الاستغفار وعن طلب المغفرة.
ومعنى ﴿ يصدون ﴾ أي يمتنعون، ويمنعون غيرهم عن طلب المغفرة، وهم مستكبرون عن استغفار رسول الله لهم وعن قبول الحق. وذلك: أن عبدالله بن أبي لما رجع من أحد بكثير من الناس مقته المسلمون وعنفوه، فقال له بنوا أبيه؛ إئت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يستغفر لك، قال: لا أذهب إليه ولا أريد أن يستغفر لي. ومن قرأ (لووا) بالتخفيف فهو من لوى يلوي إذا صرف الشيء وقلبه.
63.6-8
قوله تعالى: ﴿ سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ﴾؛ أي سواء عليهم الاستغفار وتركه، ﴿ لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفسقين ﴾؛ لإبطانهم الكفر. وهذا في قوم مخصوصين علم الله أنهم لا يؤمنون فلم يستغفر لهم النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ﴾.
" وذلك: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا نزولا على الماء في غزوة بني المصطلق، إذ وقع بين غلام لعمر رضي الله عنه من بني غفار يقال له: جهجاه بن سعيد يقود لعمر فرسه وبين غلام لعبدالله بن أبي سلول يقال له: سنان الجهني، فأقبل جهجاه يقود فرس عمر فازدحم هو وسنان على الماء فاقتتلا، فصرخ سنان: يا معشر الأنصار، وصرخ الغفاري: يا معشر المهاجرين. فاشتبك الناس وعلت الأصوات.
فقال عبدالله بن أبي: ما أدخلنا هؤلاء القوم في ديارنا إلا ليركبوا أعناقنا، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما يقول القائل: سمن كلبك يأكلك! أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، يعني الأعز نفسه والأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم! ثم أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتموه لنفسكم أحللتموهم بلادكم، قاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم طعامكم ومنعتم أصحاب هذا الرجل الطعام لتفرقوا عنه ورجعوا إلى عشائرهم، وتحولوا عن بلادهم، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا؛ أي يتفرقوا من حول محمد.
فسمع زيد بن أرقم كلامه، فقال: والله أنت الذليل البغيض، القليل المبغوض في قومك، ومحمد صلى الله عليه وسلم في عز الرحمن وعزة من المسلمين: ثم ذهب زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك وعنده عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: دعني أضرب عنقه يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ترعد له أنف كثير بيثرب. فقال عمر: فإن كرهت يا رسول الله أن يقتله رجل من المهاجرين، فمر سعد بن معاذ أو محمد بن مسلمة أو عباد بن بشر فليقتلوه.
فقال صلى الله عليه وسلم: " فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ لا ولكن أذن بالرحيل " وذلك في ساعة لم يكن يرتحل فيها، فارتحل الناس، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى عبدالله بن أبي فأتاه، فقال له: " أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني؟ " فقال: والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك، وإن زيدا لكاذب.
وكان عبدالله بن أبي في قومه شريفا عظيما، فقال من حضر من الأنصار: يا رسول الله شيخنا وكبيرنا عبدالله بن أبي، لا تصدق عليه كلام صبي من غلمان الأنصار، عسى أن يكون هذا الصبي وهم في حديثه ولم يحفظ ما قال، فعذره النبي صلى الله عليه وسلم. وفشت الملامة من الأنصار لزيد وكذبوه، فقال له عمه: ما أردت يا ولد إلا أن كذبك رسول الله والناس ومقتوك. وكان زيد يساير النبي صلى الله عليه وسلم فاستحى بعد ذلك أن يدنو من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبلغ ولد عبدالله بن أبي ما كان من أمر أبيه، فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله بلغني أنك تريد قتل عبدالله بن أبي لما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني فأنا أحمل إليك دأبته، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتله يمشي بين الناس، فأخاف أن أقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار، فقال صلى الله عليه وسلم: " بل ترفق به وتحسن صحبته ما بقي معنا ".