وكذلك جاء أسيد بن حضير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لقد كنت في ساعة لم يكن يمشى فيها، فقال له: " أوما بلغك ما قال صاحبك؟ زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل " فقال أسيد: بل أنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، فوالله يا رسول الله لقد جاء الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فهو يرى أنك سلبته ملكه.
ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وافى المدينة، فأنزل الله هذه الآية ﴿ هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ﴾ الآية إلى قوله: ﴿ ولله خزآئن السموت والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون * يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ﴾؛ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد فقال: " يا زيد إن الله صدقك ".
وكان عبدالله بن أبي بقرب المدينة، فلما أراد أن يدخلها جاء ابنه عبدالله حتى أناخ على مجامع طرق المدينة ومنع أباه أن يدخلها، فقال له: ما لك؟ قال: ويلك! والله لا تدخلها أبدا إلا أن يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتعلمن اليوم من الأعز ومن الأذل.
فشكا عبدالله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منع ابنه، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم: " أن دعه يدخل " فقال: أما إذا جاء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنعم. فلبث بعد أن دخل أياما قلائل ثم مرض ومات ".
قوله تعالى: ﴿ ولله خزآئن السموت والأرض ﴾ أي هو الرزاق لهؤلاء المهاجرين لا هو؛ لأن خزائن السماوات والأرض المطر والنبات، وهما لله فلا يقدر أحد أن يعطي شيئا إلا بإذنه ولا يمنعه شيئا وبمشيئته ﴿ ولكن المنافقين لا يفقهون ﴾ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.
وقال الجنيد: (خزائن السماوات الغيب، وخزائن الأرض القلوب، وهو علام الغيوب مقلب القلوب). وقال رجل لحاتم الأصم: (من أين تأكل؟ فقال: ﴿ ولله خزآئن السموت والأرض ﴾ ).
قوله تعالى: ﴿ يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة ﴾ يعني من هذه الغزوة وهي غزوة بني المصطلق حي من هذيل، ﴿ ليخرجن الأعز منها الأذل ﴾ قد ذكرنا قائل هذه المقالة وهو عبدالله بن أبي.
قيل: إن إبنه عبدالله قال له: أنت والله الأذل ورسول الله صلى الله عليه وسلم الأعز. وكان عبدالله بن أبي يعني بالأعز نفسه، فرد الله عليه فقال: ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾؛ فعزة الله تعالى بقهره لخلقه، ولرسوله بإظهار دينه على الأديان كلها، وعزة المؤمنين نصره إياهم على أعدائهم فهم ظاهرون. وقوله تعالى: ﴿ ولكن المنافقين لا يعلمون ﴾؛ ولو علموا ما قالوا هذه المقالة.