فأنزل الله فيه وفي أبي بكر رضي الله عنه وعمر وأمثالهم:
قوله تعالى: ﴿ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله... ﴾.
49.3
قوله تعالى: ﴿ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ﴾؛ أي أخلصها واصطفاها واختبرها، كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج خالصا، وقال ابن عباس: (معناه: أولئك الذين أكرم الله قلوبهم). وقيل: أذهب الشهوات عنها.
قال الزجاج: أمر الله بتبجيل نبيه صلى الله عليه وسلم وأن يغضوا أبصارهم عندما يخاطبون بالسكينة والوقار؛ لئلا تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون فلذلك قال: فلما كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة، قاتل ثابت بن قيس وسالم مولى أبي حذيفة قتالا شديدا حتى قتلا، واستشهد ثابت وعليه درع.
قوله تعالى: ﴿ يغضون أصواتهم ﴾ الغض النقص من كل شيء، قال الله تعالى:
واغضض من صوتك
[لقمان: 19]، وقوله تعالى: ﴿ امتحن الله قلوبهم للتقوى ﴾ أي أخلصها للتقوى. قوله تعالى: ﴿ لهم مغفرة وأجر عظيم ﴾؛ أي في الجنة.
49.4-5
قوله تعالى: ﴿ إن الذين ينادونك من ورآء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ﴾؛ وذلك: أن قوما من بني العنبر وهم حي من تميم، بعث النبي صلى الله عليه وسلم إليهم سرية، وأمر عليهم عيينة بن الحصين الفزاري، فهربوا فسبى ذراريهم ونساءهم وجاء بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء رجالهم ليفادوا ذراريهم، فدخلوا المدينة عند القيلولة ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم.
فلما أبصرهم العيال بكوا عليهم، فنهضوا وعجلوا قبل أن يخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، وجعلوا ينادون: يا محمد اخرج إلينا، وكان صلى الله عليه وسلم حينئذ نائما، فتأذى بأصواتهم، ولم يعلموا في أي حجرة هو، فجعلوا يطرقون على جميع حجراته، وكان لكل امرأة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرة وبيت، فطافوا على جميع الحجرات وهم ينادون: اخرج علينا.
وقوله تعالى: ﴿ أكثرهم لا يعقلون ﴾ وصفهم الله بالجهل وقلة العقل وقلة الصبر. قوله تعالى: ﴿ ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ﴾؛ يعني ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم للصلاة لخلى سبيلهم بغير فداء، فلما نادوه وأيقظوه أعتق نصف ذراريهم وفادى نصفهم بقوله تعالى: ﴿ ولو أنهم صبروا ﴾ كنت تعتق كلهم، ﴿ والله غفور رحيم ﴾؛ لمن تاب منهم.