سوقها إلا إذا سقيت بماء الظلم والقهر. فها هي ذي الحكومة قد أخذت تسقيها
بظلمها وقهرها!
وكذلك قلت فيهما: إخواني لا تحزنوا على من حبس منكم، بل إن كنتم
تطلبون الحق والحرية حقا، فهلموا إلى السجون واملأوها! فها نحن أولاء نرى
السجون قد ازدحمت وامتلأت حجرها حتى لم يبق فيها محل للصوص والقتلة
واضطرت الحكومة إلى تشييد سجون جديدة!
وكيل الدعوى، البوليس، والقاضي:
وفي الختام أريد أن أسوق كلمة إلى هذا النفر من بني جلدتى الذين يعملون
ضدي في هذه القضية فأقول: أصحابي ثقوا بأني لا أغضب ولا أحقد عليكم، بل
لا أتهمكم بالكذب والزور علي؛ لأن كل ما قلتموه في الشهادة حق وصدق، ولكني
أراكم قد عصيتم الله ربكم بمساعدة الحكومة في استبدادها وظلمها ومحاربتها للإسلام
والإنسانية. إني أعلم أن صوت الضمير يوبخكم في أعماق سرائركم على ما
تعملونه، ولكنكم إنما اضطررتم إليه اضطرارا؛ لأنكم لا تملكون ما تسدون به
عوزكم، وترزقون به أهليكم، وليس فيكم قوة لتحمل البأساء والضراء في سبيل
الحق، فلذا لا أحنق عليكم ولا أعذلكم بل أعفو عنكم وأستغفر لكم الله.
وأما وكيل الدعوى فهو أيضا أحد أبناء وطني، ولا علم لي بسريرته وإنما
أرى علانيته، وهي تشهد أنه لا حظ له في هذه القضية غير ما ينقده من النقود،
فإنه أجير يعمل لأجرته فلذا لا أسخط ولا أحتمي عليه، بل أدعو لجميع هؤلاء
بدعوة نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم لقومه: (اللهم اهد قومي فإنهم لا
يعلمون) .
فاقض ما أنت قاض!
وأنت أيها القاضي ماذا عسى أن أقول لك؟ إن أقول إلا ما قاله المؤمنون قبلي
في مثل موقفي هذا: ﴿فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا﴾ (طه:
72) فإني لا أحس بأدنى هم ولا ألم، مهما تبالغ في العقاب؛ لأن خطابي مع
الحكومة لا مع شخص واحد. وما دامت الحكومة فاسدة فلا رجاء في إصلاح
أعمالنا.
وأني لأختم خطابي بكلمات لفقيد إيطالية وشهيد الحق (غارينيو برونو) الذي
كان أوقف مثلي أمام المحاكم فقال: (عاقبوني بأكثر ما يمكنكم أن تعاقبوني به فإني
أؤكد لكم أن ما يشعر به قلبكم من العطف والحنان عند كتابتكم الجزاء لا يشعر قلبي
في مقابله بذرة من الفزع والهلع عند سماعي هذا الجزاء) .
الخاتمة:
أيها القاضي، لقد طال الحديث وآن أوان الوداع، فليودع كل منا صاحبه،
وإن ما يدور الآن بيننا سيسجله التاريخ بين دفاتره ويعتبر به المعتبرون، ولقد
تشاركنا في ترتيبه على سواء: أنا من هذا القفص للجناة، وأنت من ذلك الكرسي
للقضاة، وإني عالم بأنه لا بد من هذا الكرسي، وكذلك لا بد من هذا القفص، فهلم
بنا نفرغ من هذا العمل الذي سيكون عبرة وتذكرة للآتين، فالمؤرخ ينتظرنا،
والمستقبل يترقب فراغنا، لنسرع إلى المجيء إليك ولتسرع أنت في القضاء علينا،
وإن هذا العمل لا يطول قليلا حتى يفتح باب لمحكمة أخرى، وتلك المحكمة
محكمة قانون الله الحق، الزمان يقضي فيها، ويكون قضاؤه حقا وحكمه نافذا.
ا. ه.
-----------------
<span class="footnote">
(1) وقد فعل هذا الحجاج بن يوسف الثقفي مع حطيط الزيات الذي مرت حكايته آنفا " المترجم ".
(2) الهلال مجلة لصاحب الخطاب.
(3) هو ميدان محيط بالجدران بمدينة أمرتسر من مقاطعة بنجاب، قتلت فيه الجيوش الإنجليزية مئات من الوطنيين، رجالا وشيوخا وأطفالا، كانوا اجتمعوا فيه ليتشاوروا في بعض القوانين الجائرة
(المترجم) .
(4) سجنت الحكومة الأخوين الشهيرين محمد علي وشوكت علي ونفرا غيرهما سنتين لإعلانهم هذا في كراجى من مقاطعة السند (المترجم) .</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">