تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد رأوا جرأتها في سحق الحق غير قليلة، وهمتها في لبس الصدق بالإفك

غير كليلة، ولسانها في تكذيب الحقائق غير عيي ولا متلعثم، فمع أنه يوجد في

ولاية أزمير 70 في المائة من المسلمين، يعلن رئيس وزرائها بدون أدنى لكنة أن

الأكثرية للنصارى. ولقد وضع اليونانيون السيف في رقاب المسلمين وذبحوهم ذبح

الأنعام، هو يقلب الحقيقة فيتهم العثمانيين بالقتل وسفك الدماء، ويشهر المظالم

التركية المخترعة في العالم بلا مبالاة، ويخفى بكل وقاحة تقرير لجنة التفتيش

الأمريكية التي ندبتها حكومته بنفسها، ويؤلب على الأحرار العثمانيين الدول

الغربية كلها، ويدعوها إلى محاربتهم واستئصالهم.

ثم إنهم وجدوها لا تخجل ولا تندم على هذه الفضائح والمنكرات، ولا ترغب

في تلافيها وإصلاح عوجها، بل تعود، فتستبد أكثر من قبل، وتقهر البلاد وتكبح

سعيها الشرعي السلمي، وتعمل كل ما عملته في السنة الماضية، وما تعمله منذ

18 نوفمبر إلى الآن، من الأعمال الشنيعة التي تشمئز منها الإنسانية وتعافها.

فيا ليت شعري إن لم أقل لمثل هذه الحكومة (إنك ظالمة، فإما أن تتوبي وإما

أن تزولي) فماذا أقول؟ أفأكذب وأقول لها: لا بل إنك عادلة فلا تتوبي ولا تزولي؟

لعمر الله إن هذا لا يكون أبدا! .

وهل يستحق الظلم أن يبدل اسمه ويسمى بغير اسمه؛ لأنه يملك القوة

والسجون والمشانق؟ كلا بل أقول كما قال صالح إيطالية وبطل الحرية (ميزني) :

إننا لا نسكت عن سيئاتكم؛ لأنكم تملكون قوة عما قليل تزول!

قرة عيني في (هذه الجناية) :

إني لأعجب كيف تقدم الحكومة هاتين الخطبتين الناقصتين ضدي؟ أفما كانت

تجد غيرهما؟ ألا توجد هذه الأقوال بعينها وأكثر منها في الألوف المؤلفة من

الصحائف التي حبرتها، وفي جميع خطبي التي خطبتها في سائر أنحاء الهند؟ فلو

أنها رجعت إليها لوجدتها ممتلئة من هذه الأفكار الثوروية.

الحكومة تعلم أني لست حديث عهد (بمبادئ الثورة) كما سمتها فلقد مارستها

وأنا صغير، وباشرت الخطابة والكتابة فيها وأنا ابن ثماني عشرة سنة، وأفنيت

شبابي في عشقها والهيمان بها، ودعوت أمتي إليها جهرا على مسمع من الحكومة

وحرضتها على المطالبة بحقوقها منها؛ ولذا اعتقلتني أربع سنوات، ولكن الاعتقال

لم يكن ليمنعني من أداء واجباتي فظللت تحت المراقبة الشديدة أرفع صوتي بها

وأدعو الناس إليها، لا سرا بل علنا في رابعة النهار! وكيف لا، وفيها قرة عيني،

وهي مقصدي من الحياة، إن أعش: أعش لأجلها، وإن أمت: أمت عليها {إن

صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} (الأنعام: 162) .

الحركة الإسلامية الأخيرة:

كيف أستطيع التبري من هذه (الجناية) وأنا الذي قمت بهذه (الحركة

الإسلامية) التي أحدثت انقلابا عظيما في أفكار المسلمين السياسية، وأوصلتهم إلى

حيث نراهم الآن، فإنهم بقبولهم أفكاري أصبحوا شركائي في الجريمة واستحقوا

العقاب الذي تشرفني به الحكومة. ولقد أصدرت سنة 1912 صحيفة باسم (الهلال)

بثثت فيها جراثيم هذا الذنب في المسلمين، فعلقت بقلوبهم وسممت أفكارهم، فبعد

أن كانوا أعداء لإخوانهم الهندوس وعقبة كئودا في جهادهم الوطني، وآلة صماء بيد

الحكومة، يعتقدون أن البلاد إذا استقلت تغلب عليهم الهندوس وأسسوا دولتهم؛

لأنهم أكثر عددا منهم - أصبحوا بدعوة (الهلال) يرجحون قوة الإيمان والحق على

قوة العدد والعدد، ودعتهم إلى مساهمة الهندوس في الجهاد الوطني، فأصبحوا

متحدين معهم وقاموا جميعا بالحركة الحاضرة. وغني عن البيان أن الحكومة لم تكن

لتتحمل الحركة التي أحدثتها (الهلال) فعمدت إلى منعها وإقفال مطبعتها؛ ثم لما

أنشأت جريدة أخرى باسم (البلاغ) اعتقلتني.

وإني أصرح هنا بأن (الهلال) لم تكن إلا دعوة للحرية أو الموت، وإن ما

يعمله الآن (مهاتما غاندهي) من بث الروح الدينية في الهندوس، كانت (الهلال)

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٢٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٢٤٦